إسرائيل تسعى لتوريط أميركا مع إيران

  • الجمعة 2021-04-16 - الساعة 08:52
بقلم: محمد ياغي

أشارت صحيفة نيويورك تايمز قبل ثلاثة أيام إلى أن تفجير المحولات الكهربائية او تعطيلها في محطة نطنز الإيرانية النووية قد يؤخر البرنامج النووي الإيراني لستة أشهر يمكن لأميركا خلالها ممارسة الضغوط على إيران لإجبارها على الالتزام أولاً بالاتفاق النووي قبل أن تلتزم هي به.

لكن العديد من الخبراء الأميركيين يقولون إن البرنامج النووي الإيراني قد وصل الى مرحلة متقدمة ولا يمكن وقفه من خلال الهجمات الإسرائيلية المتكررة، سواء كانت عبر الاغتيالات والحرب الالكترونية، او العبوات المتفجرة.
إيران، يقول هؤلاء الخبراء، تمتلك التكنولوجيا والمعرفة وبرنامجها بالتالي لا يمكن وقفه إلا اذا أرادت هي وقفه، أو إلا اذا حدثت حرب شاملة تم فيها احتلال إيران وتصفية علمائها وبناها التحتية مثلما حدث في العراق.
الرد الإيراني على هجوم نطنز يميل الى ترجيح رأي هؤلاء الخبراء. إعلان إيران عن بدئها بتخصيب اليورانيوم الى حدود الـ ٦٠٪ هو أبلغ رد على ضحالة تقارير مثل الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز.
الفريق النووي الأممي التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية سيتحقق خلال أسابيع، وسيتأكد من أن إيران قد قامت بما وعدت به قبل ان ينتهي الحال بهذا الفريق الى مغادرة إيران إذا لم يتم التوصل الى اتفاق مع الولايات المتحدة مع نهاية أيار القادم.
إعلان إيران عن قرارها برفع نسبة التخصيب، ترافق مع أخبار غير مؤكدة أذاعتها قناة المنار التابعة لحزب الله عن تعرض باخرة إسرائيلية لهجمات بالقرب من ميناء الفجيرة الاماراتي، ومع أنباء أخرى عن هجوم على مقر للمخابرات الإسرائيلية في كردستان العراق رداً على مهاجمة إسرائيل لباخرة إيرانية في البحر الأحمر تقول عنها إسرائيل بأنها باخرة للتجسس، بينما تقول إيران بأنها باخرة لمحاربة قراصنة البحر الأحمر وحماية خطوط الملاحة.
إسرائيل لا قدرة لها على مجابهة إيران: الأخيرة تبعد ألفي كيلومتر عن إسرائيل وأكثر، ما يمكن لإسرائيل فعله هو أن تقوم بهجمات جوية وصاروخية لتدمير المفاعلات النووية الإيرانية. لكن الخبراء يؤكدون بأن هذه الهجمات إن حدثت فإنها ستكون بلا جدوى لأن هذه المفاعلات محصنة جيدة تحت الأرض.
في المقابل ستقوم إيران وحلفاؤها بهجمات مضادة بالصواريخ على إسرائيل التي لا تستطيع احتمال قوة نيران بحجم ما تمتلكه إيران وحلفاؤها.
إيران أيضاً أياديها طويلة في العراق وسورية ولبنان واليمن والخليج العربي والتحرش بها مثلما تفعل إسرائيل له عواقبه بالضرورة.
ورغم أن إيران تحسب خطواتها بدقة حتى لا تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلا أنها لا تتردد في الرد على إسرائيل أو في الطلب من حلفائها مهاجمة الجنود الأميركيين في العراق او حتى حلفاء أميركا في الخليج العربي.
إيران وإسرائيل تدركان أن الولايات المتحدة لا تريد أي حرب في منطقة الشرق الأوسط تكون هي طرفاً فيه، وهما يتصرفان وفق هذا المنطق.
الولايات المتحدة أعلنت بأنها ستغادر أفغانستان مع حلول شهر أيلول القادم وقامت أيضا بتفكيك وإخراج معدات عسكرية دفاعية متطورة منها بطاريات باتريوت وصواريخ ثاد كانت قد أحضرتها للعربية السعودية بعد الهجمات التي تعرضت لها منابع النفط في نهاية العام ٢٠١٩. والولايات المتحدة تناقش مسألة إخراج قواتها من العراق مع حكومة ذلك البلد.
في العقدين الماضيين خسرت الولايات المتحدة ما يقارب خمسة تريليونات دولار على حروبها في الشرق الأوسط، وفقدت أكثر من خمسة عشر ألف أميركي فيه. هذا وضع لا يمكن لبلد حتى لو كان بقوة ومكانة أميركا الاقتصادية تحمله والاستمرار فيه، لأنه يعطي الفرصة للقوى العظمى المنافسة لها (الصين وروسيا) للتوسع في مناطق أخرى من العالم دون أن تتمكن هي من إيقافهم لأنها مشغولة في منطقة الشرق الأوسط التي لم يعد لها مصالح حيوية فيها.
الحقيقة أن الدافع الوحيد وراء موافقة أميركا على الاتفاق النووي مع إيران العام ٢٠١٥ هو رغبتها بمغادرة الشرق الأوسط، لأنها تدرك جيداً ان الدولة الوحيدة التي يمكنها أن تجبرها، إذا لم يتم الاتفاق معها، على إرسال مئات الآلاف من الجنود للشرق الأوسط هي إيران في حالة حدوث حرب بين البلدين.
إيران المحاصرة لا يمكنها أن تقبل بالاستسلام لأميركا، ولو أرادت لفعلت ذلك منذ عشرات السنين، ولكانت قد أصبحت أهم شريك لأميركا في المنطقة. لكن إيران محكومة بهويتها الأيديولوجية التي ترى في أميركا «الشيطان الأكبر» وفي إسرائيل «لعنة الله على الأرض». إيران المحاصرة ستستمر بمقاومة أميركا وحلفائها وهذه المقاومة قد تتدحرج الى حرب شاملة لا تريدها أميركا.
هذا هو منطق السياسيين الأميركيين الذين رأوا بأن الخروج من مستنقع الشرق الأوسط حيث الاستنزاف وتشتيت المصادر غير ممكن من دون الاتفاق أولاً مع إيران، وهو ما حدث العام ٢٠١٥.
ما تبقّى من دول المنطقة لا تسبب أرقاً للأميركيين. سورية والعراق لا تشكلان تهديداً لإسرائيل أو لمصالح أميركا بعد الدمار الذي لحق بهما. وما تبقى من دول العالم العربي هم حلفاء لأميركا وبعضهم أقرب لإسرائيل من أميركا نفسها.
ما تبقى في المنطقة هو ميليشيات مسلحة أغلب قواعدها وعناصرها غير معروفه كما هو الحال في العراق، ومواجهتها بالنسبة لأميركا غير ممكن بالطرق التقليدية التي تتطلب مئات الآلاف من الجنود. لذلك لا ترى الولايات المتحدة أن هنالك أي سبب يدفعها للبقاء في المنطقة.
إسرائيل تدرك هذه الحقيقة، وهي تبذل قصارى جهدها لإبقاء أميركا في المنطقة الى أن تريحها من إيران مثلما أراحتها من العراق سابقاً.
كل الهجمات التي تقوم بها إسرائيل ضد إيران لا تأمل منها تدمير او تأخير البرنامج النووي الإيراني لأنها تدرك عجزها عن القيام بذلك. لكن ما تريده هو الإيحاء بأن ما تقوم به ضد إيران يتم بالتنسيق مع الولايات المتحدة لعل إيران تقوم باستهداف مصالح أميركية بشكل مباشر، ما يدفع أميركا للرد وبالتالي الى التصعيد الى أن ينتهي ذلك بحرب شاملة تتحمل تكاليفها المادية والبشرية الولايات المتحدة..
هنالك مؤشرات على ذلك: تفجير مفاعل نطنز حدث اثناء زيارة وزير الدفاع الأميركي لإسرائيل. مهاجمة باخرة إيرانية في البحر الأحمر حدثت أثناء المفاوضات مع إيران في النمسا والتي حضرتها بشكل غير مباشر الولايات المتحدة.
كلما اقترب الاتفاق الأميركي - الايراني، صعدت إسرائيل.
الأميركيون يدركون ذلك وهم يرسلون رسائل تفيد بأن لا علاقة لهم بالتصعيد مع إيران. لكن هذا لا يكفي، وعليهم أن يقولوا لابنتهم الوقحة إسرائيل: هذا يكفي.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز