هجوم المشاريع الضخمة على سوقنا.. إلى أين؟

  • السبت 2021-04-10 - الساعة 09:42
بقلم: صلاح هنية

فرضية هذا المقال أن اقتصاد فلسطين والحركة التجارية لا يحتملان نموذج «المولات» الضخمة كما في بقية الاقتصادات.

في قديم الزمان، كان السائد نظام البقالات في البلد ومعروف لدى المستهلك انها جميعها بنفس النظام وتعتمد نظام المديونية الأسبوعي او الشهري، وبعضها كان لديه خدمة التوصيل على الدراجة ويأخذ بطريقه الخضار والفواكه واللحوم والدواجن والعكس صحيح، قد يأخذ صاحب محل الخضار البقالة على الدراجة بطريقه، فيوزع الرزق والجميع راض ومرتاح، وتتعزز الثقة بين البقال وبائع الخضار ومحل الدواجن واللحوم والزبون وتتعزز الثقة بين المورد والتاجر بصورة رائعة.
في ذاك الزمان، كان هناك تصنيف فرضه المجتمع بين البقالات، مثلا بقالة فيها بضائع مختلفة وكانت وحيدة في المدينة يقصدها ذوو النمط الاستهلاكي المختلف ليس لجميع البقالة بل لأصناف محددة تتعلق معظمها في صناعة الحلويات المنزلية أو مضافات تضاف للطعام ليست مطلوبة شعبيا، ولكنها معروفة ببضائعها وسعرها المرتفع قليلا لذلك يبتاع الزبون أشياءه من البقالات الأخرى ويقصدها فقط لسلع قد يطلق عليها «ترفيه».
كبر السوق وبات هناك سوبرماركت وبات يفتح خارج وسط المدينة وبات بداية مقصد «للفرجة» أكثر من التسوق ومن ثم بات مكونا طبيعيا ضمن التطور التجاري دون إخلال بالمعايير التجارية المعتمدة والمتفق عليها ضمنا بين البائع والمستهلك، خصوصا أن المستهلك انذاك كان الأب والأم بقرار شراء موحد وورقة مشتريات وموازنة محددة، وليس كهذه الأيام حيث الجميع في السوق والكل يتسوق دون ترشيد ودون قرار شراء موحد حسب الاحتياجات والأولويات والمواسم.
اليوم، هؤلاء الذين وصفنا من بقي منهم ومن بات يدير البقالة مكان أبيه أو عمه باتوا في خطر حقيقي جراء صعوبات متعاقبة تعود لإجراءات الاحتلال كما يحدث من عزل وحصار للقدس الى البلدة القديمة في الخليل والحصار والاجتياح للوطن الى جائحة «كوفيد ـــ 19» والآثار التي تركتها على المشاريع الصغيرة التي جوهرها البقالات ومحلات الخضار ومعاطة الدواجن والحداد والنجار و»النوفوتيه» وصيانة الدراجات، وغيرها من حيث الإجراءات الصحية وتحديد ساعات العمل وبرنامج الإغلاق.
اليوم، دخل معامل جديد على الأسواق أضيف لمجموعة التحديات التي تواجه تجار القطّاعي والمشاريع الصغيرة تمثل بتأسيس مشاريع كبرى تحاكي نماذج في الجوار، فجاءت الشركات الأم الى السوق فانكشفت حقيقة الأسعار التي كان يقال لنا إنها مرتفعة من بلادها، وسبقتها وما زال حملات التخفيضات للأسعار في المحلات التجارية بصورة أضافت أثرا سلبيا على صغار التجار أيضا، حيث تكون التخفيضات على سلع مغرية للمستهلك تستقطبه ليبتاع سلة بمبالغ كبيرة وهو ينتظر على قسم اللحوم، تقوم زوجته أو ابنته بالشراء من أقسام أخرى وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.
السؤال الملح، أين يكون الجواب على تصاعد حالة حضور منشآت كبرى أكبر من قدرة الاقتصاد على استيعابها وأكبر من قدرة المستهلك الشرائية وتركز على بضائع منتجة خارج السوق الفلسطينية لدى المرجعيات الرسمية الاقتصادية والمالية الذين يقفون محايدين وكأن الأمر لا يعنيهم، وفي آخر النهار يكررون «دعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر» وتتشكل اطر لا نرى نتائجها على الأرض.
يلح السؤال ما هو مصير مئات النساء اللواتي أسسن مشاريع صغيرة ومشكلة التسويق أساسية لديهن ولن تسعفهن تلك المنشآت الكبرى بل الضخمة، وينسحب الأمر على المشاريع الزراعية الصغيرة التي باشرها شباب حديثو التخرج.
بات الموضوع موضوع مساءلة وشفافية ونزاهة على قاعدة: ماذا نريد لاقتصاد البلد؟ وماذا نريد لمن بقي في دكانه من أعوام الخمسينيات؟ وهو يواجه يوميا بجولات للبحث في جودة البضائع وان وجدت لديه علبة شامبو غير معربة تقام الدنيا ولا تقعد، وهو الدافع الرئيسي للضرائب كونه يدفع مبلغه المقطوع شهريا على حجمه ولا تقام المفاوضات في الضرائب إلا مع المشاريع الكبيرة التي تستمر لفترات طويلة.
أين ذهبت تصورات وخطط الجمعيات التعاونية الاستهلاكية؟ لماذا لم نحافظ على التعاونيات الاستهلاكية القائمة؟ خصوصا أن قرى كثيرة تميزت بتلك الاستهلاكيات وما زالت قائمة؟ أين نذهب بالصمود على الأرض وعمليات استصلاح الأراضي من شباب كان يقال لهم، إن الزراعة ممنوعة في المناطق المصنفة (ج) فاكتشفوا بعبقريتهم أنها مسموحة والعائق وهمي نفسي، بينما يصفق المسؤولون لثري يذهب للأغوار اعتمادا على صمود أهلها فيزرع عنبا غير بذري ويزرع النخيل ويصبح بطلا قوميا والغلابة القاعدون في الأرض منذ 1948 لا يقال عنهم أبطال إلا من أمثالنا لأننا طنجرة ولاقت غطاها!!!!.
نحن أمام خيارين لا ثالث لهم، إما تعزيز الصمود وتثبيت الناس على الأرض وإما الرحيل بأيدينا.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز