الانتخابات والنفخ في نار جهنم

  • السبت 2021-03-20 - الساعة 16:06

لعل العبد الفقير لله  كان  من أول المعارضين لإجراء الإنتخابات في مثل هذا الوقت المريض  محليا ودوليا وعربيا سياسيا وصحيا واقتصاديا ، منطلقا من عدة اسباب سبق وشرحتها في مكانها المتاح  . لكن كان هناك تصميم غريب على اجراء الإنتخابات وكأننا نلقي بأنفسنا في جائحة سياسية اضافة الى الجائحة الفيروسية .  فالقرار لم يأخذ بالحسبان  عدة معطيات مهمة  ، أولها إننا امام ادارة امريكية جديدة اعلنت انها ستعيد العلاقات مع السلطة الوطنية الى ما كانت عليه قبل ان يقطعها ويدمرها الرئيس المنصرف ترامب  ويتبنى سياسة معادية همجية ضد الشعب الفلسطيني.

ثانيا ان التحولات في السياسة الامريكية انعكست فورا  على المنطقة  عربيا واقليميا . فهناك ايران التي تسعى لفك حصارها والعقوبات المفروضة عليها وهي مستعدة لتقديم تنازلات اقليمية في العراق وسوريا واليمن من اجل حماية نفسها وليست حماس بورقة مهمة في اجندتها المقبلة . كما ان تركيا  التي ضاق بها الحال اقتصاديا وسياسيا وخارجيا وداخليا   رأت نفسها في عزلة  وبدأت تغازل دول الخليج من جهة ومصر  خاصة بعد ان فقدت تأثيرها في ليبيا وفقا للترتيبات الجديدة هناك  ، ولهذا غيرت نهجها المعادي لمصر وبدأت في تقييد نشاط جماعة الاخوان المصرية وقنواتها المنطلقة من تركيا  وكوادرها المطلوبة في مصر وهو ما فعلته منذ فترة ضد تواجد حماس في تركيا حيث قيدت نشاط حماس هناك عندما اعلنت عن رغبتها في اعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع الاحتلال وعينت سفيرا جديدا في تل ابيب ولم ترد عليها تل ابيب بالمثل بعد.

والأمر الجديد الذي  اظن ان حركة حماس ناقشته   قبل اعلان موافقتها على الانتخابات هو  اصدار المحكمة الجزائية الدولية لبيانها  قبل ان يصدر والذي يحقق في جرائم حرب ارتكبت سنة 2014وما بعده وهو قرار ارعب اسرائيل لكنه سيشمل ممارسات   للفصائل كلها الفلسطينية   . وبالطبع جرت العادة ان هذه المحكمة يمثل امامها المهزومون  مثلنا  وليس اسرائيل لأن اكبر ممول للمحكمة هي المانيا التي تعارض محاكمة اسرائيل كما أن  المدعي العام الجديد الذي سيخلف بنسودة وهو البريطاني كريم خان ليس في وارد الاستمرار في التحقيق وان حدث فانه سيحقق في اعمال مقاومة  ضد اسرائيل ويطلب تسليم المتهمين من السلطة  . فاللحاق بالركب  السياسي الرسمي الفلسطيني سيضع السلطة لاحقا في مأزق لأنها كعضو في المحكمة الدولية مطالبة بتسليم من تتهمهم المحكمة  بينما اسرائيل ليست عضوا ويخضع المتهمون  فيها الى الانتربول للتوقيف في الخارج وهذا لن يحدث وفقا  للعلاقات الاوروبية الامريكية مع اسرائيل.

   الإلتحاق بالنظام السياسي الفلسطيني بالإنتخابات   هو  قارب انقاذ لحركة حماس بعد تهتك محورها الداعم الذي بات يعطي الاولوية لمصالحه الوطنية وبالتالي لم تعد حماس تستند الى محور قطري تركي ايراني خاصة بعد المصالحة الخليجية الحثيثة. والتمسك بالانتخابات دون مصالحة يشبه التطبيع العربي مع اسرائيل لدعم ترامب ونتنياهو وليس تبجحا بالسلام ومواجهة ايران .

الكل يتغير وفق مصالحه الوطنية لكن حماس لم تتغير رغم انها تريد المشاركة في الانتخابات والإنضمام الى منظمة التحرير  فهي تؤكد انها لا تخوض الانتخابات تحت سقف اوسلو ولم تعترف حتى اللحظة بميثاق منظمة التحرير الفلسطينية .

ثمة خلل ما في مسيرة الانتخابات وهو ان المصالحة كانت ستكون اللبنة الاولى  فلماذا لم تكن ؟  فلو انجزنا مصالحة ولملمنا صفوفنا لأمكننا الاتفاق على برنامج سياسي وطني ومواجهة العالم مهما كان بوحدتنا الوطنية ! وكيف سنسلم مصير الانتخابات لسلطة حماس التي بوسعها ان تفعل الافاعيل مع تصريحات علنية تشير الى انها ستحصد ما بين 80 الى تسعين بالمئة من الاصوات  في غزة وفقا للزهار والبردويل او الحية   !  وكيف ستبسط السلطة سيطرتها في غزة بوجود سلطة قائمة تمسك بزمامها ولن تسلم ايا من صلاحياتها باستثناء السماح  للسلطة بالصرف على غزة وعناصر وموظفي حماس لاحقا.ما هكذا تجدد الشرعيات بشرعنة الانقلاب  في غزة واقطاعه حصة من الحكم في الضفة . قد تكون هناك نوايا حسنة جدا لمسها الاخ جبريل الرجوب في حماس ولم ندركها وقد تكون هناك خطوات اخرى متفق عليها ولم يكشف النقاب عنها بعد ،  لكن الواقع يقول ان لسان حماس  ينطق ويقول "ما هو لي فهو لي وما هو لك لي ولك."

 ثم  كيف سنواجه ادارة امريكية جديدة  تريد اعادة العلاقات  معنا وما زال كونغرسها يجرم حماس ويعتبر منظمة التحرير ارهابية ويستثنيها مؤقتا من فتح مكتب تمثيل في واشنطن ، وكيف نذهب بحكومة وحدة وطنية تشترك فيها حماس  التي لا تعترف بما اعترفت به منظمة التحرير ! لا يهمنا موقف اسرائيل الرافض للإنتخابات لأن الاحتلال يريد الابقاء على الإنقسام  والاحتلال ينسق امنيا وميدانيا مع حماس كما يريد مباشرة او بطريق غير مباشر ، فما  الذي يفعلة العمادي ونائبه الحردان منذ شهر بين غزة وتل ابيب!فهل الدعم القطري بموافقة اسرائيل وبطلبها الملح يذهب لشعب غزة ! ولماذا  تظاهر ضده الموظفون من حماس لأنه لا يصلهم .

لقد ادت ملهاة  الانتخابات الى جدل داخلي في فتح لتجاوزها النظام الداخلي من جهة والاحتكام الى المزاجية ما ادى الى اضعاف الحركة وتقييد ارادتها في العمل والإقدام والتوحد  . فما حدث هو تشرذم  في فتح بدل رص الصفوف مهما كانت  ونهش لأصواتها من تيارات خرجت منها مدعومة بسخاء من الامارات ومن قوائم  ثرية مستقلة لا ينقصها المال السياسي  قيد التشكيل تنتظر كأسماك القرش . فما الذي يبقى بعد كل هذا   ! انه انقلاب ذاتي لفتح    على نفسها لصالح منافسيها . فهل الجائحة لا تكفي! اننا كمن ينفخ في نار جهنم لنصطلي بها  بدلا من المصالحة الوطنية  الحقة التي تهب فيها  رياح الجنة .  والله من وراء القصد.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز