نهاية رحلة رجل شجاع اسمه منير

  • الإثنين 2021-03-15 - الساعة 14:19
بقلم: حافظ البرغوثي

كان شهرا بيروتيا يشي بصيف حار سنة 1973 بعد اغتيال القادة الثلاث كمال عدوان وابو يوسف النجار وكمال ناصر، عندما  عثرت على سكن  في عمارة حلاق ودقاق في الفاكهاني المطلة على البحر، هربا من شقة اخرى قريبة لكنها مخنوقة، وقد حصلت على سرير في غرفة دلتني عليها عجوز، وبعد ان نقلت اغراضي القليلة دخل شاب مبتسم وحياني واستلقى على سرير قبالتي في الغرفة، فالشقة مكونة من غرفتين احداها علمت فيما بعد انها لشاب يعمل في مجلة الهدف، وقليلا ما كنت اصادفه" التقيته مؤخرا في رام الله وتعرفت عليه رغم مضي السنين وتبين لي انه اسحق ابو حسام"، وهو حاليا معتقل لدى الاحتلال منذ شهرين ضمن الحملة الاحتلالية ضد قادة الجبهة الشعبية".
أما رفيقي في الغرفة فعرفني على نفسه بأنه منير النابلسي وقلت له أنا الدرة الإبن، وهكذا كنا نتقاسم الغرفة دون الخوض في تفاصيل حياتنا واسمائنا لأننا قادمان من الضفة الغربية. وذات يوم لاحظ وجود رشاش كلاشين تحت فرشتي فاطمأن لي واخرج سلاحه ولم يمض شهر حتى انتقلت الى شقة أكبر قرب دوار الكولا، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة في مطلع أيار عندما حاول الجيش اللبناني اقتحام الفاكهاني لتصفية المقاومة، وتلك قصة اخرى لا مجال لسردها، وانقطعت العلاقة مع منير النابلسي واسحق في خضم القتال.
في صيف 1992 طلبني القائد العام إلى تونس وطلب من الأخ  الشهيد فيصل الحسيني تذليل العقبات وكنا معا في عمان، فتوجهت إلى ممثل المنظمة في الأردن الأخ الصديق الراحل الطيب عبد الرحيم، فأجرى اللازم ونقلني الاخ نظمي من  مطار تونس إلى ضيافة الأخ جبريل الرجوب، وكنت على صلة يومية به  قبل إبعاده أقابله يوميا في القدس أو لدى الحسيني في بيت الشرق. 
بعد أيام من مكوثي في الضيافة لاحظت شابا نائما في احدى الغرف، رأيته صباحا وظهرا على تلك الحال، وبعد قيلولة ظهر يوم اردت سؤاله عن سبب منامه الطويل، فدخلت عنده وجلست أتحدث معه، قال إنه يشعر بالمرض منذ أيام فقمت وجهزت له كوبا من الأعشاب وتوجهت إلى اقرب صيدلية واشتريت له دواء  للسخونة، وجلسنا نتحدث وبين فينة وأخرى كنت اتصفح وجهه، وأقول إنني أعرفك فقد سبق أن التقينا، وكان هو لا يتذكر ثم أثناء الحديث تذكرته فجأة، فقلت له: "ألست منير النابلسي؟ ألم نسكن في عمارة حلاق ودقاق؟! فقام وتعانقنا". 
 وروى لي قصة وصوله إلى تونس وخروجه من الأرض المحتلة بعد أن كان مطاردا، لدوره العسكري في الانتفاضة في قرى الكفريات في طولكرم. وقال عُرض علي أن أتسلل إلى مصر عبر سيناء، فنقلتني سيارة إلى ما وراء سجن أنصار وكنت أشعر بالخوف ومشيت عبر الحدود حتى رأيت مبنى صغيرا فوصلت إليه وكنت لا أعرف ما فيه، وبهدوء نظرت داخله، فرأيت جنودا مصريين نائمين فهدأت نفسي ودخلت وايقظتهم وشرحت لهم قصتي، فاتصلوا بأحد الضباط فجاء في سيارة عسكرية مكشوفة، وأركبني خلفه طالبا مني أن أدله على الطريق الذي سلكته وسار بمحاذاة الحدود، وفجأة ظهر جيب  اسرائيلي قبالتنا، فشعرت بالخوف، فقال الضابط "ملهمش بيك دعوة بس دلني على مسارك على الطريق، فأشرت إلى الطريق الذي سلكته، ونقلت بعدها إلى القاهرة للتحقيق ثم تم تسليمي لمكتبنا في القاهرة". تلك رحلة الراحل منير العبوشي التي انتهت في الوطن باحثا عن سرير لم يجده في المستشفى.
رحل منير المناضل المبتسم مبكرا، لم أره منذ بداية مرضه قبل فترة، وماذا لو رأيته هل سينفعه كوب أعشاب ودواء من صيدلية!. وهل كان بوسعنا أن نوفر له سريرا كالذي كان له في بيروت، حيث كنا نتضاحك ونثرثر ذات سنة دون الخوض في هويتنا. منذ أن فقدنا السرير وتحته بنادقنا، انخسفت قيمتنا يا اخي الراحل! رحمك الله.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز