غاز غزة: أحد روافع الاستقلال

  • الجمعة 2021-02-26 - الساعة 08:48
بقلم: رجب أبو سرية

كان حال فلسطين وربما الشرق الأوسط بأسره سيتغير، لو أن إسرائيل التزمت بروح اتفاقيات أوسلو، أو لو أنها استجابت لتطلعات الشعب الفلسطيني بتحقيق الحل التاريخي، بإقامة دولته المستقلة على حدود أرض دولته المحتلة والمعترف بها دوليا، أي حدود الرابع من حزيران من العام 1967، وذلك بأن سمحت للاتفاق بأجندته الزمنية بالتحقق، وتحديدا بالانتقال من المرحلي للدائم، خلال خمس سنوات تلت عام توقيع الاتفاق، أي حتى العام 1999، لكن ذلك لم يحدث بالطبع، لأن انقلابا سياسيا وقع في إسرائيل العام 96، وكان من نتيجته أن تولى اليمين الإسرائيلي الحكم، بشكل متواصل - تقريبا - منذ ذلك العام وحتى اليوم.

واليمين الإسرائيلي، هو معسكر سياسي ينتمي إلى الماضي، وما زال مسكونا بظروف نشأة إسرائيل في ظل الحرب الباردة، وما قبلها، أي ارتباطا أولا بالدولة الاستعمارية التي وعدت الصهيونية بإقامة وطن قومي لها في فلسطين، ومن ثم رعاية الدولة المهيمنة على العالم ما بعد الحرب الباردة لها، لاستمرار فرض السيطرة بالقوة ليس على فلسطين وحسب، ولكن على الشرق الأوسط الغني بالثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز، ولعل اعتماد اليمين الإسرائيلي الذي ما زال يؤمن بسياسة احتلال أرض وثروات الغير بالقوة العسكرية، على آخر محاولات الهيمنة العالمية، نقصد ولاية دونالد ترامب في البيت الأبيض، خير دليل على ما نذهب إليه.
وحيث إن الأميركيين تداركوا أمرهم، وقاموا بطي تلك الصفحة للإبقاء على المكانة الدولية لبلادهم، فإن ذلك قد أسقط بيد حسابات اليمين الإسرائيلي، الذي كان يمني النفس ببقاء عهد الشوفيني الأميركي في البيت الأبيض لولاية ثانية على الأقل، ولهذا فإن اليمين الإسرائيلي يجد صعوبة بالغة في التعايش، أو حتى التوافق مع إدارة جو بايدن، ليس فيما يخص الملف الإيراني وحسب، ولكن أيضاً فيما يخص الملف الفلسطيني أيضاً، لذا فإنه ما دام الداخل الإسرائيلي عاجزاً عن وضع الحد ليمين إسرائيلي يعيش في الماضي، وخارج عن منطق عصر ما بعد الدولة الوحيدة المتحكمة في العالم، فإن إدارة الكون الجماعية هي التي ستضع حداً له.
من السهل جداً علينا التدليل على أن الاقتصاد صار في عالم ما بعد القطب العالمي الوحيد، أكثر تأثيراً من القوة العسكرية التي ارتبط تأثيرها بعهود الاستعمار والهيمنة العالمية، أما إسرائيل فترى أن السيطرة على ثروات الغير ممكنة بامتلاك القوة العسكرية، لذا فهي ما زالت تصر على «تجريد» غيرها من عوامل تلك القوة العسكرية، وهي لا ترى أن قوة الصين، ومن قبلها اليابان وألمانيا، لم تعتمد على القوة العسكرية، بل إن ألمانيا مثلا تمثل رافعة الاتحاد الأوروبي، رغم وجود قوات أميركية على أرضها، ورغم خضوع اليابان لفرض الحظر على تطوير قدرتها العسكرية، وهي تنظر للملف الأهم بالنسبة لها، وهو الملف الفلسطيني وفق هذا المنطق.
على الجانب الفلسطيني، فإن عقوداً من الكفاح الوطني منحت الشعب الفلسطيني خبرة خاصة، بحيث يمكن القول، إن العقلاء من أبناء الشعب الفلسطيني يخوضون كفاحا عظيما منذ سنوات على جبهات الاقتصاد والقانون الدولي والدبلوماسية الدولية، أبلغ تأثيراً من الكفاح المسلح، ومن كل شعارات التحرر التي رافقت الكفاح التحرري في ظل الحرب الباردة، وفي حقيقة الأمر، إنه وفق نظرية لكل فعل رد فعل، كان صخب الرد العسكري دائما بمثابة رد فعل على الحروب والاجتياحات الإسرائيلية، التي جاءت بهدف وضع الحد لأحد أهم الإنجازات السياسية التي حققها الشعب الفلسطيني بعد ثورتيه المسلحة قبل نصف قرن، والشعبية (الانتفاضة) قبل ثلاثة عقود.
ولأن فلسطين دولة ناقصة على خارطة جغرافيا العالم اليوم، فإن إقامتها تتحقق في المستقبل، أو في عالم ما بعد عالم أحادية القطب، وهذا الحلم يتحقق بعقل وليس بانفعال، ويتحقق بتخطيط ومثابرة، وليس بردة فعل، وغني عن القول، إن حالة الانقسام، ووضع المجموعات المسلحة في قطاع غزة، بعد تحرره من الوجود الاحتلالي بمظهريه العسكري والاستيطاني منذ العام 2005، من قبل إسرائيل، ما كانا إلا محاولة إسرائيلية لمنع قيام دولة فلسطين، وتحرير أرضها وثرواتها من احتلالها، وهي قد حققت، اعتماداً على جهالة الجهلاء ورافعي العقيرة، من خطباء المنابر السياسية، غايتها طوال خمسة عشر عاما مضت.
لا نبالغ لو قلنا إنه لولا وجود العقلاء في موقع القيادة الفلسطينية لانهارت الحالة الفلسطينية بمنجزها الأهم، وهو السلطة الوطنية بمؤسساتها المعترف بها كمشروع دولة مستقلة، وهنا يمكن القول بثقة إن الحديث عن تعديل اتفاق باريس الاقتصادي أهم بكثير من الحديث عن إلغاء أوسلو، كما يطالب الانتحاريون السياسيون، الذي هم بغير إرادتهم ودون وعي منهم يطالبون بهذا، دون الأخذ بعين الاعتبار، أن هذا ما يريده اليمين الإسرائيلي، الذي عارض أوسلو منذ البداية، وسار على طريق تحطيمه، لأنه فرض اعترافا دوليا بدولة فلسطين، أكثر مما فرض اعترافا بإسرائيل.
المهم أن نعمة السماء حطت على أرض فلسطين حين اكتشف الغاز الطبيعي قبالة شاطئ غزة مبكراً، في العام 96، مترافقا مع إقامة السلطة، ذلك الغاز الذي يوفر في حال استخراجه نحو 4،5 مليار دولار سنويا، وفق تقرير استقصائي بثته قناة الجزيرة في نيسان 2019، بما يعني أنه لو تم التركيز على هذا الأمر، ومتابعة الشأن السياسي بهدوء دون صخب المواجهة العسكرية المدمرة للواقع وللحالة الفلسطينية معاً، لكان مسار المشروع الوطني بأسره قد تغير، وكان غاز غزة قد شكل رافعة للاستقلال الوطني الحقيقي، وللتدليل على ذلك نذكر فقط، بما اتبعته إسرائيل خلال العامين الماضيين من التحكم بأموال المقاصة لفرض الاستسلام على القيادة الفلسطينية، كذلك من تحكم قطر بغزة من خلال منحها حماس أقل من ربع مليار دولار سنويا، لهذا فإن إعادة ملف غاز غزة الذي أغلقته المواجهة العام 2000، للحضور مجدداً، يعني بأقل وصف، أنه كان «ضربة معلم»، وأنه عبر عن كفاح العقلاء على طريق المثابرة في الإصرار على تحرير دولة فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، وفتح الأفق أمامها للانتقال من موقع التواجد على منصة السياسة، إلى موقع الوجود الجغرافي، الفعال والمستقل، الذي لن تكون له حاجة لا لأموال قطر، ولا لأموال المانحين، أي تحقيق الاستقلال الوطني الذي يليق بشعب عظيم يعتبر مثالاً ونموذجاً للتحرر الوطني في آخر صورة له في عالم اليوم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز