كلما ازداد التدين السياسي تعمق الانقسام.. إسرائيل نموذجاً

  • الأحد 2021-02-21 - الساعة 10:41

بقلم أكرم عطا الله
يرتفع صخب الانتخابات في الساحة الفلسطينية التي انتظرت طويلاً وبشغف البائس من تحريك مياه أسِنَت لكثرة ما أُلقي بها من حصى لم تترك حياة لغير الطفيليات سممت الحالة السياسية برمتها، ولكن هذا الصخب يجب ألا يجعلنا نتوقف عن متابعة ما يحدث على الجانب الآخر من الحدود في إسرائيل التي تخوض انتخابات هي الرابعة خلال عامين، والبشرى لكل خصوم إسرائيل أن نتائج الانتخابات القادمة هناك لن تمكن أياً من المعسكرين من تشكيل حكومة ما يرجح الذهاب نحو انتخابات خامسة.
لماذا يضطرب النظام السياسي في إسرائيل بهذا الشكل؟ ولماذا تفشل هذه الدولة التي كانت مستقرة لعقود في تشكيل حكومة مستقرة ؟.
أليس هذا لافتاً لدى مجتمع أقيم مستمداً ثقافته الديمقراطية من أوروبا التي هاجر منها معظم الهجرات الأولى وتكفلت تلك النخبة الأشكنازية الأوروبية بتصميم الدولة بما يتوافق مع منظومة القيم الأوروبية.
وقد شهدت العقود الثلاثة الأولى لإقامتها حكم حزب مباي العمالي والذي أصبح المعراخ ثم حزب العمل والذي يختفي الآن من الخارطة السياسية، تبعها عقدان تساوى فيهما اليسار مع اليمين في إسرائيل لتشهد في ثمانينيات القرن الماضي ما عرف في حينه بحكومة الرأسين، ثم شهدت عقدين من سيطرة اليمين الذي أخذ يتنامى حتى أثناء العقدين إلى أن وصل إلى كتلة حاسمة تمكنت وحدها من تشكيل الحكومة.
الجديد هناك أن هذا اليمين الذي اعتاد على الشراكة مرحلة الثمانينيات وعهد شامير لم يعد يقبل أن يكون شريكاً لأحد أو أن يشاركه أحد.
والجديد أن هناك انقساماً يعصف بالمجتمع الإسرائيلي يعتبره رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين الأخطر على الدولة من كل التهديدات التي تحيط بها، فلا النووي الإيراني ولا صواريخ حزب الله ولا المجموعات السلفية، كما كتب الجمعة، تشبه هذا التهديد الذي تنقسم فيه الدولة بهذا الشكل، فالاستطلاعات تتحدث عن النتيجة والاستعصاء القائم والقادم قبل الانتخابات، وهذا لم يكن يحدث في السابق فقد كان ينشغل المحللون بشكل الحكومة بعد الانتخابات وربما عددها والآن ينشغل الجميع بما يشبه حسم اللا تشكيل من قبل أي من الكتلتين.
بصورة واضحة يتظهر الانقسام بين كتلتين واحدة قومية دينية، وواحدة تتشظى وتتوزع على العلمانيين بكافة أشكالهم، وجزء من مأزق إسرائيل أن القومية هي الدين وتلك باتت أزمة عززتها الزيادة المطّردة للتيار «القومي – الديني» في إسرائيل منذ أن أقيمت وكان النمو في تلك الكتلة يزداد بخط بياني صاعد ثابت إلى أن وصل مرحلة الحسم ليشكل حكومة بمفرده ولا يقبل الشراكة مع الآخر، ويعلنها صراحة الآن بشكل لم تعتد عليه دولة كانت تتباهى بنفسها كدولة ديمقراطية وتعتمد أسس الشراكة والحوار لا القطيعة ورفض الآخر، وإذا كانت ترفض شراكة العربي في الدولة فهذا طبيعي ارتباطاً بالفهم الأيديولوجي لثقافة المجتمع ولدولة لكن المتدينين الآن يرفضون الشراكة مع اليهودي الآخر الذي لا يشبههم.
وفي سياق آخر فإن الزيادة العددية لليمين القومي الديني تحدث أزمة للنظام السياسي في إسرائيل، وبذات القدر تحدث أزمة أكبر في العلاقات بين إسرائيل ويهود العالم وتحديداً الجالية اليهودية الأكبر والأكثر دعماً لإسرائيل في الولايات المتحدة، حيث إن اليهودية المتنامية في إسرائيل يهودية أرثوذكسية فيما يهودية يهود الولايات المتحدة محافظة.
لقد كان النظام العلماني في إسرائيل قادراً على استيعاب تناقضات اليهودية لكن النظام الديني يعمل على تسعير الصراعات الطائفية والمذهبية وهنا جانب واحد من جوانب تباعد يهود أميركا عن يهود إسرائيل والذي سيزداد كلما زادت سيطرة وتنامى التيار الديني في إسرائيل.
لا يمكن فصل الانقسام في المجتمع الإسرائيلي عن زيادة كتلة المتدينين، والمسألة هنا أن إسرائيل تلتحق متأخرة بزيادة الدين في أوساطها، لكن المنطقة العربية كانت قد سبقت إسرائيل بعقود طبعاً لأسباب مختلفة لكن والنتيجة تكاد تكون متشابهة.
ففي خمسينيات وستينيات وحتى سبعينيات القرن الماضي لم يكن يشكل الإسلام السياسي نسبة في المجتمعات العربية ولكن بعد نموه في الثمانينيات وبعدها بتنا نشهد صراعات أخذت تشهد شكلاً دموياً يزداد شراسة مع تقدم الزمن إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، لأن العقل الديني ينطلق من الحقيقة المطلقة ويقسم المجتمعات إلى قسمين ويعتبر نفسه ممثل الخير فيما يرى في الآخرين كفاراً سواء في إسرائيل أو غيرها، وهذا وحده كفيل بفتح صراعات لا تنتهي إلا بانتهاء واحد من أطراف الكتلة الاجتماعية ولكنها رغم كل الصراعات لم تنتهِ وتجد في إسرائيل تعبيراً آخر فإلى أين سيأخذها؟
الجواب عن هذا السؤال يطرحه بعض الأوساط بصوت خافت حول مستقبل إسرائيل في ظل تنامي التيار الديني واتساع الهوة بينه وبين باقي فئات المجتمع، حيث يقيم المتدينون في مدن خاصة ويستغلون موازنات الحكومة وباعتبارهم يشكلون بيضة قبانها فهم دائمو الابتزاز ولا يذهبون للجيش ولا يشاركون في العمل كل هذا وحجم الكراهية التي ينصبونها للآخر اليهودي «العرب شأن آخر أكثر ضراوة».
الاضطراب في النظام السياسي هو وليد المأزق الذي يتنامى منذ البداية، وإن كان حزب العمل الذي يمثل الكتلة العلمانية في إسرائيل يتلاشى بنفس سياق تنامي التيار الديني القومي لكن العلمانية تعود لتعبر عن نفسها في سياقات أخرى عبر أحزاب «يوجد مستقبل» وميرتس والجنرالات وحتى ليبرمان والذي يعتبر أنه السبب في تفكيك الحكومة الإسرائيلية العام 2018، لتبدأ إسرائيل رحلة الانتخابات الطويلة لأربع مرات بعدها أثناء صراع ليبرمان مع حزب «يهدوت هتوراة» على قانون التجنيد الذي أسقط الحكومة، لأن المتدينين الذين باتوا يسيطرون على الدولة يشرعون بما يتناسب مع استمرار تناميهم وسيطرتهم.
إسرائيل نحو انقسام يزداد تعمقاً إذا استمر التوازن بهذا الشكل، وقد يستمر لأن الكتلة العربية تشكل حاجزاً أو منطقة آمنة تجعل من الصعب إحصاء الكتلة اليهودية وحدها لأن الأمر قد يختلف لو لم يوجد العرب كخصم مشترك للجانبين، ولكن هذا ينذر بانحدار إسرائيل مستقبلاً كدولة شرق أوسطية بأغلبية دينية يزداد عداؤها مع قيم الديمقراطية ومنظومة القيم الغربية..!أكرم عطا الله
2021-02-21
يرتفع صخب الانتخابات في الساحة الفلسطينية التي انتظرت طويلاً وبشغف البائس من تحريك مياه أسِنَت لكثرة ما أُلقي بها من حصى لم تترك حياة لغير الطفيليات سممت الحالة السياسية برمتها، ولكن هذا الصخب يجب ألا يجعلنا نتوقف عن متابعة ما يحدث على الجانب الآخر من الحدود في إسرائيل التي تخوض انتخابات هي الرابعة خلال عامين، والبشرى لكل خصوم إسرائيل أن نتائج الانتخابات القادمة هناك لن تمكن أياً من المعسكرين من تشكيل حكومة ما يرجح الذهاب نحو انتخابات خامسة.
لماذا يضطرب النظام السياسي في إسرائيل بهذا الشكل؟ ولماذا تفشل هذه الدولة التي كانت مستقرة لعقود في تشكيل حكومة مستقرة ؟.
أليس هذا لافتاً لدى مجتمع أقيم مستمداً ثقافته الديمقراطية من أوروبا التي هاجر منها معظم الهجرات الأولى وتكفلت تلك النخبة الأشكنازية الأوروبية بتصميم الدولة بما يتوافق مع منظومة القيم الأوروبية.
وقد شهدت العقود الثلاثة الأولى لإقامتها حكم حزب مباي العمالي والذي أصبح المعراخ ثم حزب العمل والذي يختفي الآن من الخارطة السياسية، تبعها عقدان تساوى فيهما اليسار مع اليمين في إسرائيل لتشهد في ثمانينيات القرن الماضي ما عرف في حينه بحكومة الرأسين، ثم شهدت عقدين من سيطرة اليمين الذي أخذ يتنامى حتى أثناء العقدين إلى أن وصل إلى كتلة حاسمة تمكنت وحدها من تشكيل الحكومة.
الجديد هناك أن هذا اليمين الذي اعتاد على الشراكة مرحلة الثمانينيات وعهد شامير لم يعد يقبل أن يكون شريكاً لأحد أو أن يشاركه أحد.
والجديد أن هناك انقساماً يعصف بالمجتمع الإسرائيلي يعتبره رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين الأخطر على الدولة من كل التهديدات التي تحيط بها، فلا النووي الإيراني ولا صواريخ حزب الله ولا المجموعات السلفية، كما كتب الجمعة، تشبه هذا التهديد الذي تنقسم فيه الدولة بهذا الشكل، فالاستطلاعات تتحدث عن النتيجة والاستعصاء القائم والقادم قبل الانتخابات، وهذا لم يكن يحدث في السابق فقد كان ينشغل المحللون بشكل الحكومة بعد الانتخابات وربما عددها والآن ينشغل الجميع بما يشبه حسم اللا تشكيل من قبل أي من الكتلتين.
بصورة واضحة يتظهر الانقسام بين كتلتين واحدة قومية دينية، وواحدة تتشظى وتتوزع على العلمانيين بكافة أشكالهم، وجزء من مأزق إسرائيل أن القومية هي الدين وتلك باتت أزمة عززتها الزيادة المطّردة للتيار «القومي – الديني» في إسرائيل منذ أن أقيمت وكان النمو في تلك الكتلة يزداد بخط بياني صاعد ثابت إلى أن وصل مرحلة الحسم ليشكل حكومة بمفرده ولا يقبل الشراكة مع الآخر، ويعلنها صراحة الآن بشكل لم تعتد عليه دولة كانت تتباهى بنفسها كدولة ديمقراطية وتعتمد أسس الشراكة والحوار لا القطيعة ورفض الآخر، وإذا كانت ترفض شراكة العربي في الدولة فهذا طبيعي ارتباطاً بالفهم الأيديولوجي لثقافة المجتمع ولدولة لكن المتدينين الآن يرفضون الشراكة مع اليهودي الآخر الذي لا يشبههم.
وفي سياق آخر فإن الزيادة العددية لليمين القومي الديني تحدث أزمة للنظام السياسي في إسرائيل، وبذات القدر تحدث أزمة أكبر في العلاقات بين إسرائيل ويهود العالم وتحديداً الجالية اليهودية الأكبر والأكثر دعماً لإسرائيل في الولايات المتحدة، حيث إن اليهودية المتنامية في إسرائيل يهودية أرثوذكسية فيما يهودية يهود الولايات المتحدة محافظة.
لقد كان النظام العلماني في إسرائيل قادراً على استيعاب تناقضات اليهودية لكن النظام الديني يعمل على تسعير الصراعات الطائفية والمذهبية وهنا جانب واحد من جوانب تباعد يهود أميركا عن يهود إسرائيل والذي سيزداد كلما زادت سيطرة وتنامى التيار الديني في إسرائيل.
لا يمكن فصل الانقسام في المجتمع الإسرائيلي عن زيادة كتلة المتدينين، والمسألة هنا أن إسرائيل تلتحق متأخرة بزيادة الدين في أوساطها، لكن المنطقة العربية كانت قد سبقت إسرائيل بعقود طبعاً لأسباب مختلفة لكن والنتيجة تكاد تكون متشابهة.
ففي خمسينيات وستينيات وحتى سبعينيات القرن الماضي لم يكن يشكل الإسلام السياسي نسبة في المجتمعات العربية ولكن بعد نموه في الثمانينيات وبعدها بتنا نشهد صراعات أخذت تشهد شكلاً دموياً يزداد شراسة مع تقدم الزمن إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، لأن العقل الديني ينطلق من الحقيقة المطلقة ويقسم المجتمعات إلى قسمين ويعتبر نفسه ممثل الخير فيما يرى في الآخرين كفاراً سواء في إسرائيل أو غيرها، وهذا وحده كفيل بفتح صراعات لا تنتهي إلا بانتهاء واحد من أطراف الكتلة الاجتماعية ولكنها رغم كل الصراعات لم تنتهِ وتجد في إسرائيل تعبيراً آخر فإلى أين سيأخذها؟
الجواب عن هذا السؤال يطرحه بعض الأوساط بصوت خافت حول مستقبل إسرائيل في ظل تنامي التيار الديني واتساع الهوة بينه وبين باقي فئات المجتمع، حيث يقيم المتدينون في مدن خاصة ويستغلون موازنات الحكومة وباعتبارهم يشكلون بيضة قبانها فهم دائمو الابتزاز ولا يذهبون للجيش ولا يشاركون في العمل كل هذا وحجم الكراهية التي ينصبونها للآخر اليهودي «العرب شأن آخر أكثر ضراوة».
الاضطراب في النظام السياسي هو وليد المأزق الذي يتنامى منذ البداية، وإن كان حزب العمل الذي يمثل الكتلة العلمانية في إسرائيل يتلاشى بنفس سياق تنامي التيار الديني القومي لكن العلمانية تعود لتعبر عن نفسها في سياقات أخرى عبر أحزاب «يوجد مستقبل» وميرتس والجنرالات وحتى ليبرمان والذي يعتبر أنه السبب في تفكيك الحكومة الإسرائيلية العام 2018، لتبدأ إسرائيل رحلة الانتخابات الطويلة لأربع مرات بعدها أثناء صراع ليبرمان مع حزب «يهدوت هتوراة» على قانون التجنيد الذي أسقط الحكومة، لأن المتدينين الذين باتوا يسيطرون على الدولة يشرعون بما يتناسب مع استمرار تناميهم وسيطرتهم.
إسرائيل نحو انقسام يزداد تعمقاً إذا استمر التوازن بهذا الشكل، وقد يستمر لأن الكتلة العربية تشكل حاجزاً أو منطقة آمنة تجعل من الصعب إحصاء الكتلة اليهودية وحدها لأن الأمر قد يختلف لو لم يوجد العرب كخصم مشترك للجانبين، ولكن هذا ينذر بانحدار إسرائيل مستقبلاً كدولة شرق أوسطية بأغلبية دينية يزداد عداؤها مع قيم الديمقراطية ومنظومة القيم الغربية..!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز