'أَخْ' يا مريد!

  • الثلاثاء 2021-02-16 - الساعة 09:25
بقلم: زياد خدّاش

كيف يمكن التعبير عن الحزن في غياب مريد البرغوثي؟ سنوات طويلة وأنا أتواصل مع مريد، أذهب إلى يافا، فأصوُّر له الميناء والبحر والسفن، وأسمع على الخط الآخر كلمة (أخ)، أُرسل له نصّاً من نصوص طلابي، فأسمع آآآه، أُخبره عن فضيحة ثقافية، فأسمع آآآه، أذهب إلى بلدته دير غسانة أغرق في (المسخن) أُصور الأرغفة والرائحة، وأُرسلها له، فيردُّ عليّ بكلمة : آآآه يا زياد.

كيف يمكن التعبير عن الحزن في غياب مريد البرغوثي، أرسلت له عشرات الدعوات من مؤسسات كانت تحاول الاتصال به، ولكنه كان يردّ بما معناه: آآآه ما جدوى كل ذلك يا زياد؟

أحدثه عن القاهرة التي زرتها، أُذكّره بنص قديم له قرأه عند زيارته الأولى لدير غسانة، أتحدث له عن تأثير كتابه (رأيت رام الله) على وعي طلابي، أطلبُ منه حواراً لجريدة ما، كل ذلك لا يجيب عليه إلا بكلمة: أخ يا زياد.

الشاعر العظيم الذي حياته الثقافية، والشخصية هي سلسلة من الآهات، والآخات رحل أخيراً عنا، فصحنا جميعاً: أخ يا مريد، لمن تركتنا نحن الضائعين في بحر اللامفهوم؟ أدركتَ قبلنا جميعاً أنّ السفينة مثقوبة، لم نصدّق، كنا نريد أن نصل إلى الشاطئ مستعجلين، نريد أن نقيم قصر الحرية والعدالة، وكنتَ من الشاطئ الآخر تصيح علينا بملء بُحة صوتك: السفينة مثقوبة، عودوا .. الماء يتسرب، عودوا.. أصلحوها، ثم انطلقوا .. كنا مستعجلين.. لم نسمعك. سمّوكَ المتطرف، وآخرون قالوا: العدمي، آخرون قالوا: المنفصل عن الواقع.. كنتُ أعرف مع بعض أصدقائي أنّك تعيش قلب الواقع، وأنّ تطرفك هو حساسيتك العادلة تجاه كل شيء، أما عدميّتكَ فهي الوجه الآخر للوجود الحرّ.

   أما تجربة مريد البرغوثي السردية، فله فيها مساحة خاصة احتلتها داخل الوعي الفلسطيني. يكتبُ مريد بالسكين أحياناً، وأحياناً بالوردة، والكتابة بالسكين هي طريقة الشاعر الحزين النظيف للدفاع عن كرامة الكلمة والناس، وعن ماء الذاكرة، أمّا الكتابة بالورد فهي طريقة الشاعر في الدفاع عن الحب، وفي إيجاده.

لم يكتب مريد بالشعر فقط؛ ليقولَ سخطه، وحدائقه. ذهب إلى السرد؛ ليقدم لنا أيضاً رام الله، والوجود في أبعاد جديدة لم تقاربها السرديّة الفلسطينية بعد.

في السرد، والشعر قال مريد فلسطين، وقال نفسه.. قالهما بنظافة المقاتل، وشرف الشاعر.. أخ يا مريد، ولتصيحي يا رام الله: أخ يا مريد. 

كيف يمكن التعبير عن الحزن في غياب مريد البرغوثي؟

 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز