في زاوية غرفة الإنعاش: حول مركزية الصحة النفسية للعاملين الصحيين

  • الخميس 2021-01-21 - الساعة 09:50
بقلم: د. سماح جبر*

انتشرت صورة الممرضة آية علي من منطقة الحجازية والتي تعمل داخل قسم العزل بمستشفى الحسينية في مصر وهي تجلس القرفصاء وتطاطئ الرأس في زاوية غرفة الإنعاش بينما يختنق عدد من المرضى المصابين بفيروس كورونا بسبب خلل في أسطوانات الأكسجين في مشهد بالغ التعبير عن الشعور بالعجز الذي قد يشعر به الكادر الطبي والذي يعمل تحت وطأة الجائحة.

تفيد آية: "أعمل ضمن الفريق الطبي المكلف برعاية حالات كورونا، من الثامنة مساء وحتى الثامنة صباحًا، أرى حالات الوفاة باستمرار ولكني لم أرَ هذا العدد الجماعي من قبل، مما أصابني بصدمة كبيرة أفقدتني الحركة، فجلست على أرضية العناية المركزة جانبا. وتضيف: "مكنتش خايفة، لكن كنت مرهقة وحزينة على الناس اللي ماتت، مكنتش أتمنى ده يحصل، عملنا اللي نقدر عليه ولكننا فشلنا".

للضغوط المهنية أثر نفسي واضح على الفئات التي تعمل في الصفوف الأولى في مواجهة الخطر حيث تصبح ساعات العمل أطول والموارد أقل، وما يزيد العبء ثقلا عليهم هو حرصهم ألا يكونوا سببا في نقل العدوى لأحبائهم في المنزل أو لمرضى آخرين، كل هذا يزيد من الضغط النفسي والإرهاق الذي يعاني منه المهنيون أثناء هذا الوباء وقد تظهر هذه الأعراض على شكل آلام جسدية كالصداع وصعوبات النوم والإرهاق البدني وتغييرات في الشهية، ومشاكل سلوكية كانخفاض الرغبة في العمل وزيادة التدخين، وأعراض عاطفية كالحزن والغضب والتشكيك في المسار المهني والتفكير في التقاعد أو ترك الوظيفة أو تغيير الحياة المهنية تمامًا، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه وجب على الطواقم الطبية الاعتناء بصحتهم وعافيتهم حتى يتمكنوا من الاستمرار في تقديم خدمة ذات جودة عالية مع الحفاظ على النفس ومراعاة عافيتها.

يتعرض عمال الرعاية الصحية بشكل خاص لخطر الإصابة بفيروس كورونا يوميًا، وهذا يشكل مخاطر واضحة على صحتهم البدنية وكذلك على صحتهم النفسية، حيث انتشرت مظاهر الإحباط، والإرهاق، والإرباك والقلق والتوتر والاكتئاب والوحدة ومخاوف أخرى، كما تبين من عدة استطلاعات عالمية أثناء الوباء.
فبينما يتعامل الكثيرون مع الخوف وعدم اليقين من جراء الجائحة من منازلهم، يتعيّن على عمال الرعاية الصحية العمل أوقاتا أطول وتعريض أنفسهم لخطر الإصابة بالفيروس يوميا، فبالإضافة  إلى قلقهم بشأن تعريض أطفالهم وأزواجهم وأفراد عائلاتهم الأكبر سنًا للفيروس، فإنهم يشهدون باستمرار الآثار المباشرة للإصابة به ومن ضمنها الموت الموحش بعيدا عن العائلة، ويفتقر الأشخاص الذين لديهم أطفال إلى الوقت اللازم لرعاية صغارهم أو أن يكونوا حاضرين في أحداث يومهم.

كما تعاني المستشفيات من الإرهاق ونقص الموظفين خاصة بعد وصول فيروس كورونا إلى ذروته الجديدة، مما أدى إلى إجهاد الموارد وإرهاق القوى العاملة.

عند مواجهة المواقف العصيبة والصادمة في مرافق الرعاية الصحية، قد يكون من الصعب التوقف والتفكير في الرعاية الذاتية. إلا أن هذا أمر ضروري لتجنب المزيد من الخطر على الطاقم الصحي وبالتالي على المرضى. وهناك تكتيكات بسيطة يمكن من أن تكون حيوية في حماية الصحة النفسية والرفاهية للعاملين في المهن الطبية بالرغم من ضيق الوقت المتاح لذلك:

●    خذ بضع دقائق من يومك، قبل النوم أو حتى بين زياراتك للمرضى لتشكل فارقا في الحفاظ على ذاتك خلال هذا الوقت العصيب.
●    تعرف على الدور القيّم الذي تلعبه أنت وزملاؤك على الخطوط الأمامية خلال الجائحة، وذكّر نفسك أنه على الرغم من التحديات ، فأنت تُساهم في العناية بأولئك الذين هم في أمس الحاجة للرعاية.
●    مارس التعاطف الذاتي بطريقتك الخاصة، أنت تبذل قصارى جهدك في وقت صعب، لذا عليك التحلي بالمرونة في اتخاذ القرارات وترتيب برنامجك اليومي، قد يتغير ذلك يومًا بعد يوم أو ساعة بساعة، احرص على أن يشمل برنامجك فترات راحة من العمل ما أمكن.
●    راقب تقلبات المشاعر التي قد تساورك، من الطبيعي أن تشعر بمجموعة من المشاعر المختلفة بما في ذلك الشعور بالإرهاق أو الإحباط أو الغضب أو القلق أو الهياج أو الحزن. لا توجد مشاعر صحيحة أو خاطئة، لاحظ مشاعرك دون إطلاق الأحكام عليها وتأكد من أنها ستزول وتستبدل مع اختلاف الظروف، فالمشاعر بطبيعتها عابرة.
●    حاول ملاحظة الأشياء الإيجابية التي تحصل ضمن هذه الأزمة التي تركز الاهتمام على العدد المتزايد للإصابات ونقص الموارد وفقدان الأرواح. حاول الانتباه إلى القصص المفعمة بالأمل حول الإمدادات الحيوية والتضامن وتكريم العاملين في الخطوط الأمامية على تضحياتهم.
●    انتبه الى نومك وغذائك والتواصل مع الأحبة وفرص الترفيه.

يمكن لهذه التغييرات الصغيرة في روتينك أن تحسن مزاجك العام وتحمي صحتك النفسية أثناء هذا الوباء. إذا كان من الصعب جدًا القيام بذلك ، فلا بأس. ابحث عن الدعم من العائلة أو الأصدقاء وعن أساليب رعاية ذاتية بسيطة أخرى قد تساعدك.

بالإضافة إلى ما سبق فإن على المؤسسات الصحية الاستماع إلى تجارب العاملين في مجال الرعاية الصحية خلال الجائحة بهدف إنشاء موارد أفضل للمساعدة في دعم صحتهم النفسية أثناء استمرارهم في تقديم الرعاية، ولتكن هذه الجائحة مناسبة لتعزيز مفهوم الصحة النفسية في مكان العمل ما بعد الجائحة.

فقصة آية ليست مقتصرة على آية علي ولا على مستشفى الحسينية في مصر بل هي آية على ترك الصحة النفسية للعاملين في الزاوية، وخصوصا في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ستبقى هذه القصة في الذاكرة كحافز لإنعاش الصحة النفسية ونقلها من الزاوية إلى المركز.
_______________

* رئيسة وحدة الصحة النفسية- وزارة الصحة
 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز