الانتخابات الفلسطينية القادمة بين حالة الإحباط وفرص التغيير

  • الثلاثاء 2021-01-19 - الساعة 19:54
بقلم: هاني عرفات

خارج أطر فتح و حماس هناك إرتباك و لبس واضح في النظرة للانتخابات الموعودة في أيار القادم ، يبدو للوهلة الأولى و كأن الناس كانت قد فقدت الأمل بأن يكون هناك انتخابات بعد انقطاع دام خمسة عشر عاماً . ورغم أن الكثير من هؤلاء كانوا حتى فترة قريبة جداً يقرعون جدران  الخزان بشدة مطالبين أصحاب السلطة بإجراء الانتخابات أصبحوا الآن من أكثر المعارضين لها . و رغم الحجج المختلفة التي يسوقها هؤلاء من أن المشاركة تعني ترسيخ أوسلو وملحقاته الى القول بأن الانتخابات ما هي إلا إلهاء الناس عن القضايا الاساسية و يذهب البعض الآخر للقول أن هذه الانتخابات ستعيد تجديد نفس القوى وربما نفس الوجوه.

كل هذه المخاوف حقيقية و مشروعة أيضاً ولكن هناك شرطان إذا ما توفرا كفيلان بإزالة معظم هذه المخاوف . الاول: ضمان الحد الادنى من الديمقراطية بمعنى حرية الترشيح و الدعاية الانتخابية والحركة للمرشحين ، و نزاهة الانتخابات و عدم حدوث تزوير. في الانتخابات السابقة ورغم التحفظات فإن العملية سارت بشكل ديمقراطي نسبي والدليل على ذلك فوز المعارضة ممثلة بحماس بغالبية مقاعد التشريعي  . والثاني : عدم الالتزام تقييدات أوسلو للانتخابات الفلسطينية ، بكلمة أخرى عدم إلزام المرشحين بالموافقة على أوسلو وملحقاتها حتى يسمح لهم بالترشح وقد رأينا ذلك يحصل في آخر انتخابات للمجلس التشريعي حيث شاركت حماس في الانتخابات حينها رغم رفضها المطلق لأوسلو. الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الحركة بوجهة نظري كانت المزاحمة على السلطة وعدم الاكتفاء بقوتها البرلمانية مما أجبرها على التعاطي مع واقع أوسلو وأرجح أن ذلك جاء تلبية لأجندة  خارجية في حينه و أدى إلى تدحرج الامور إلى حيث نقف الآن .

و مع إدراكنا بأن هذه الانتخابات ما كان لها أن تتم لولا وجود توافق إقليمي و دولي وربما موافقة إن لم نقل تغاضي إسرائيلي عنها ، والهدف من ذلك تجديد شرعية القائم حتى يؤمن له تذكرة الدخول في التسوية المرتقبة ولا نعرف حتى اللحظة إذا ما كان الهدف الوصول إلى ذلك بقيادة من رأسين . لكن هذا لا يعني بأن من وضع الخطة قادر على تحقيق أهدافها إلا إذا سمح لهم بذلك. الدعوة إلى المقاطعة والسلبية لن تحقق لمن يدعو إليها شيئاً سوى خلق مناخ مريح و ملائم و سهل لمن يقف وراء هذه المخططات . الساحة الفلسطينية تعاني من أزمة مركبة وهي بعيدة كل البعد عن إنقلاب ثوري يعيد رسم الخارطة السياسية ومن لا يستطيع رؤية ذلك يعاني من نزق ثوري سيبعده أكثر فأكثر عن الواقع و سوف يعزز من مواقع القوى التي يحاول محاربتها ، ربما يظن البعض أن النفخ على أوسلو قد يطيره  بعيداً في الهواء، مع الاسف هذا الخيار غير موجود على الساحة السياسية ، العملية بحاجة إلى إستغلال أي منفذ و أي منصة لمقاومة هذا الانحدار نحو الهاوية . لا يمكن وضع رؤية سياسية صحيحة دون فهم الواقع و الامكانيات ، الخطوات الصغيرة الثابتة تجاه الهدف أفضل بكثير من القفز في الهواء حتى لو سميناه قفزاً ثورياً.

و لمن يقول أن هذه الانتخابات ستعود بنفس القوى ونفس الوجوه أستطيع القول بكل ثقة أن الامتناع عنها قطعاً سيأتي بنفس القوى ، أما المشاركة فإنها تحتمل إحداث تغيير وخصوصاً أن التربة متوفرة لذلك فهناك تناقضات رئيسية في المجتمع الفلسطيني و تذمر واسع حتى داخل الأحزاب و الائتلافات الحاكمة خصوصاً داخل حركة فتح نفسها و حتى حركة حماس و الاصوات المنتقدة الأكثر جرأة تأتي من كوادر مرموقة داخل هذين التنظيمين  ولكن من أجل إحداث تغيير مقبول لا بد من العمل على توفير الأدوات المناسبة وبرنامج واقعي يلبي مطالب الناس ولا يخيفها ، شئنا أم أبينا فقد خلق واقع أوسلو عدداً كبيراً من الموظفين الذين يعتمدون وعائلاتهم على الراتب الذي يتقاضونه كذلك الامر بالنسبة الى العمال الذين يعملون في ورش إسرائيلية و هؤلاء جميعاً يشغلون قطاعات واسعة من التجار و شبح الحروب الأهلية التي اجتاحت المنطقة لا زال مخيفاً لذلك من المفيد أن يعلن أصحاب التغيير بشكل واضح عدم رغبتهم التنافس على السلطة أو المشاركة فيها وهذا حقيقة ليس السبب الوحيد بل بغية الابتعاد عن الوقوع في شرك التعامل مع مفرزات أوسلو و حتى يتمكن هؤلاء من ممارسة دور رقابي و تشريعي بعيداً عن مغريات السلطة أو التماهي فيها . ليس ذلك فحسب بل و بسبب إنعدام الثقة في السياسيين فإنه من الضروري أن يتقدم هؤلاء بتقديم سيرة ذاتية وكشف ذمة مالية وتعهد بأن يمتنعوا عن أخذ إمتيازات من المعيب أخذها في ظل احتلال جاثم على صدور الناس مثل السيارات و المرافقين ...الخ.

القانون الانتخابي الفلسطيني ينص على التمثيل النسبي من خلال القوائم على المستوى الوطني ورغم إيجابيات هذا النظام الانتخابي المتعددة فإن له مثالب أيضاً بحيث يحول دون وصول مرشحين فرديين ، ولو كان لي أن أقرر لدمجت ما بين هذا النظام و نظام الترشيح الفردي بحيث يتم تقسيم المقاعد إلى قسمين ، قسم للقوائم و القسم الآخر للأفراد على مستوى المحافظات و يخصص للمحافظة مقاعد تتناسب وعدد سكانها ، ولكن بما أننا نتعامل مع نظام القوائم فلا بد من العمل على تشكيل قائمة خارج المحاصصة التنظيمية من مرشحين أكفاء لهم تاريخهم الوطني و يشهد لهم بنظافة اليد ، هؤلاء موجودون ، دفعتهم المحاصصات الى الصفوف الخلفية ، لا مانع من أن يكون بعضهم عضواً في تنظيم شريطة أن لا يكون معتمداً مالياً على تنظيم أو سلطة و أن يلتزم ببرنامج القائمة الذي دخل الانتخابات على أساسه.

كل ذلك يجب أن يكون مترافقاً مع تحويل المعركة الانتخابية الى معركة لفضح الاحتلال و ممارساته و التأكيد على البرنامج الوطني ورفض أي محاولة لاستثناء القدس من الانتخابات مع التركيز على تمثيل يليق بعاصمة الدولة الفلسطينية  من خلال البرامج و داخل القائمة . وأن يشتمل البرنامج على وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده .

الوقت يمر بسرعة لا بد من استثماره في العمل و المبادرات.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز