ما الذي يجري في أميركا؟

  • الجمعة 2021-01-15 - الساعة 08:15
بقلم: محمد ياغي

كشفت الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة عن انقسام عميق داخل المجتمع  بين الجمهوريين والديمقراطيين. هذا الانقسام لا يتعلق بعدد الأصوات التي حصل عليها كلا الحزبين في الانتخابات ولكن في سعي الحزب الجمهوري تحت رئاسة ترامب إلى التمسك بالسلطة رغم خسارته للانتخابات.

ما يزيد على (١٤٦) نائباً من أصل (٢٠٥) للحزب الجمهوري في مجلس النواب و(٩) من أصل (٥٢) في مجلس الشيوخ صوتوا لصالح إلغاء نتائج الانتخابات في عدد من الولايات التي خسر فيها مرشحهم للرئاسة رغم أن هذه الولايات نفسها وقضاءها والمحكمة العليا قد أقرت بصحة النتائج.
هذا الإنكار لنتائج الانتخابات استمر حتى بعد هجوم عصابات ترامب على الكونغرس والذي أدى لاحتلاله من قبلهم ومقتل خمسة أفراد بينهم أحد عناصر الشرطة المكلفة بحماية المبنى.
ما الذي يعنيه ذلك؟
يقول المؤرخ الأميركي تيموثي سنايدر في مقالة له في مجلة التايم إن الحزب الجمهوري منقسم على نفسه بين مجموعتين: فئة قليلة تؤمن بأن الانتخابات تمكنها من الوصول للسلطة إذا ما أحسنت استخدام المال الذي تحصل عليه من الشركات الكبيرة، وفئة كبيرة تشعر بأن الطريق للسلطة لم يعد سالكاً لها عبر بوابة الانتخابات وهي بحاجة لانتزاع السلطة عن طريق «كسر» مؤسسات أميركا الديمقراطية.
المجموعة الأولى لا تؤمن بالديمقراطية لكنها ترى فيها آليه للوصول للسلطة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بطريقة تمكنهم من الفوز في الانتخابات عن طريق تعيين مئات القضاة في الحكومة الفيدرالية وفرض تشريعات تحرم الأقليات من حق التصويت.
المجموعة الثانية تدرك أن هيمنتها على المؤسسات أصبحت غير ممكنة بعد أن تمكن الديمقراطيون من بناء تحالف عريض يضم الأقليات والمتعلمين وغالبية من الطبقة العاملة وهم بالتالي أكثر ميلاً لتحريض قواعدهم الانتخابية ومن خلال الكذب، على «الثورة» على مؤسسات الدولة الديمقراطية.
الحقيقة أن التصويت في مجلس النواب على إقالة ترامب الأربعاء الماضي أثبت أن هنالك مجموعة ثالثة في الحزب الجمهوري مكونة من عدد محدود من النواب يؤمنون بأهمية مؤسسات الدولة الديمقراطية (١٠ نواب جمهوريين صوتوا لصالح عزل ترامب).
يمكن القول إن وجود المجموعة الأولى والثالثة في الحزب الجمهوري أمر طبيعي، وهي موجودة في جميع الأحزاب السياسية التي تسعى للوصول إلى السلطة عبر بوابة الانتخابات. لكن ما هو لافت للانتباه هو المجموعة الثانية التي تسعى لفرض هيمنتها على مؤسسات الدولة الديمقراطية بالقوة.
هنالك دلائل عديدة على صحة ما قاله سنايدر فيما يتعلق بهذه المجموعة بما فيها مشاركة عدد من نواب الولايات الجمهوريين في اقتحام الكونغرس بهدف منعه من اعتماد نتائج الانتخابات الرئاسية، تقارير الـ(ف بي آي) عن احتمال حدوث تظاهرات مسلحة في عدد كبير من الولايات  قبل العشرين من الشهر الحالي موعد تسلم الرئيس المنتخب بايدن لمهامه، مشاركة بعض أفراد الشرطة ممن يؤيدون ترامب في اقتحام الكونغرس، قيام بعض أفراد الشرطة في الكونغرس بتسهيل مهمة المتظاهرين في اقتحامه.
الأهم من ذلك هو قيام هذه المجموعة باستدعاء أحداث العام ١٨٧٧ في صراعها مع الديمقراطيين خلال جلسة تصويت الكونغرس على اعتماد نتائج الانتخابات الرئاسية.
في تلك الفترة كان الديمقراطيون هم الحزب الذي يريد استمرار العبودية في أميركا وهم من يمثلون الولايات الجنوبية التي خاضت الحرب الأهلية للانفصال عن الاتحاد الفيدرالي بينما الجمهوريون هم من سعوا لتحرير العبيد والحفاظ على الاتحاد.
الانتخابات الرئاسية في ذلك العام شهدت العديد من التجاوزات وأدت إلى صراع داخل الكونغرس بين الحزبين حول من فاز في الانتخابات كان من نتيجته قبول الديمقراطيين بفوز الجمهوريين في الانتخابات مقابل قيام الأخير بالسماح للولايات الجنوبية بوضع تشريعاتها الخاصة بها وسحب القوات الفيدرالية منها والتي كانت موجودة لضمان حصول السود على حقوقهم بعد الحرب الأهلية.
المقاربة التي حدثت تلك السنة كان من نتيجتها سياسات الفصل العنصري في الولايات الجنوبية وحرمان السود من حقوقهم بما فيه حق التصويت (ما يعرف بقوانين جيم كرو) حتى ستينيات القرن الماضي عندما ظهرت حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كنغ.
أن يطالب عدد كبير من الجمهوريين في صراعهم على السلطة بمقاربة مماثلة لما جرى العام ١٨٧٧ يعكس رغبتهم في إنهاء حقوق الأقليات باعتبارهم القوة الأهم التي تمكن الديمقراطيين من الفوز بالانتخابات.
هذا الانقسام سيستمر وسيتعمق خلال السنوات القادمة بين من يرى أن هيمنة البيض على مؤسسات الدولة غير ممكنة دون حرمان الأقليات من حقوقها وبين من يريد استمرار النظام الديمقراطي والحقوق المتساوية لجميع الأميركيين.
في المحصلة الصراع سيجري داخل الحزب الجمهوري نفسه وقد نشهد خلال السنوات وربما الأشهر القريبة القادمة انقسامات حادة داخل الحزب نفسه بين أجنحته الثلاثة يكون من نتائجه تعزيز قوة الحزب الديمقراطي وإعادة رسم الخارطة الحزبية بين ثلاث جماعات: يمين متطرف (من يرغبون بإلغاء حقوق الأقليات)، يمين (من يؤمنون بقيم الحزب الجمهوري)، ويسار الوسط (ائتلاف الحزب الديمقراطي).

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز