تفكير سياسي جديد: انسجام في الشكل وتناقض في المضمون

  • الثلاثاء 2021-01-12 - الساعة 08:33
بقلم: مهند عبد الحميد

ناقشت في مقالتي قبل أسبوعين والمعنونة (أي خيارات سياسية نحتاج) بعض الأفكار التي طرحها الصديق والزميل ماجد كيالي في مقاله المطول بعنوان: "بشأن الخيارات السياسية أو نحو تفكير سياسي جديد"، وهنا أتابع في هذا المقال أفكارا أخرى، آملا مشاركة مهتمين ومهتمات في الحوار الذي نأمل منه محاولة اختراق الهمود الفكري والسياسي الذي تشهده الحالة الفلسطينية داخل الوطن وخارجه. 

انطلق كيالي من موقف يقول إنه لا يجوز الإبقاء على خيار واحد، لا أظن أن المشكلة تُحل بوضع عدة خيارات عندما نكون بصدد مشروع وبرنامج وطني وهدف مركزي.

التكتيك يتغير مرارا وتكرارا أما الاستراتيجية فلها شأن آخر. أي حركة تحرر معنية بتحديد الأهداف المشتركة القريبة والبعيدة بما في ذلك الهدف المركزي الذي يجعل الأهداف الأخرى قابلة للتحقيق.

فقد تبنت حركة التحرر الفلسطيني استراتيجية التحرير الكامل وإقامة دولة فلسطينية تسمح بالمواطنة للآخر دون تمييز. 

لكنها أحدثت تعديلا في البرنامج والهدف المركزي بعد إدراكها أن التحرير الكامل غير قابل للتحقيق ولا حتى للتأييد من قبل الكتل الأساسية الحليفة للشعب الفلسطيني، لم يعد ذلك الهدف يحظى بدعم عربي  (بعد الالتزام الرسمي بقراري 242 و338 اللذين اعترفا بحق اسرائيل في الوجود ضمن حدود آمنة ومعترف بها وهي حدود الرابع من حزيران 67) وبالمثل كان موقف المعسكر الاشتراكي، والاتحاد الأوروبي، ومنظومة عدم الانحياز والاتحاد الإفريقي.

هذه النقلة توجتها انتفاضة 87 بوثيقة إعلان الاستقلال في دولة مستقلة على أراضي 67 بموافقة 95% من عضوية المجلس الوطني وبموافقة التنظيمات الأساسية في إطار منظمة التحرير، وبموافقة عربية ودولية منقطعة النظير.

كما نرى حدث التغيير في شرط موضوعي مواتٍ، وشرط ذاتي مستجيب. الآن بعد الانسداد والكبح الإسرائيلي الأميركي للانتقال بالمشروع إلى حيز التطبيق، هل يمكن الانتقال من خيار دولة مستقلة إلى خيار الدولة الواحدة، بمعزل عن الشرطين الموضوعي والذاتي، ومن خلال هندسة حل افتراضي ذهني منفصل عن الواقع. هل يمكن التعامل مع مشروع تحرري بتدوير زوايا نحو خيارات متعددة ؟ دولة واحدة أو دولتين. وكي ننتقل إلى الملموس دعونا نتوقف عند الحيثيات التي جرى تقديمها. 

• يقول  كيالي: "إن حل الدولة المستقلة في حدود 67، وحل التحرير الكامل ليسا واقعيين ولا عقلانيين".. والبديل الأنسب هو "إدخال تعديلات على فكرة التحرير" بهدف "استعادة التطابق بين شعب وأرض وقضية فلسطين" وتحرر الفلسطينيين من علاقات الاستعمار والعنصرية والهيمنة، وتحرير اليهود من الصهيونية وتحقيق المساواة. شعارات جميلة ..  في البدء، أصاب كيالي حين قال إن التحرير الكامل ليس واقعياً، طبعاً في ظل ميزان قوى مختل بشكل فادح لصالح دولة نووية وذات وظائف كولونيالية في عموم الشرق الأوسط وهي مركز للسيطرة الامبريالية على شعوب المنطقة.  ولكن لا يمكن مقارنة ذلك بلا واقعية الدولة المستقلة، أو وضعهما في كفة واحدة.

ويواصل كيالي استعراض الحيثيات بالقول: "حقيقة الوضع الديمغرافي المتداخل وشبكة الاعتمادية والمصالح المتبادلة تحتم على الطرفين، المقصود الإسرائيلي والفلسطيني، إيجاد صيغة من التعايش المشترك بدلاً من الانفصال".

هنا يحول صراعا ذا طبيعة إقصائية من قبل دولة كولونيالية إلى مصالح متبادلة ربما متساوية تحتم التعايش المشترك، نافيا حقيقة تنافر المصالح الذي يتجلى في النهب والتمييز والهيمنة المدعومة بغطرسة القوة وبمنظومة قوانين عسكرية وعنصرية برعاية أميركية. 

أين هي المصالح المتبادلة بين مستعمِر ومستعمرَ. إذا كان 0.7% من الإسرائيليين فقط يؤيدون المساواة مع الفلسطينيين بحسب جدعون ليفي. مقابل أغلبية ساحقة تضع الشعب الفلسطيني بين خيار البقاء في شروط عبودية أو الطرد خارج الوطن.

وعن أي "شبكة اعتمادية" يتحدث الزميل ولماذا يتغافل عن حقيقة وجود طرفين غير متكافئين، فالدولة المحتلة تستخدم العمال الفلسطينيين في المجالات التي تعتمد على القوة العضلية، وتنقل النفايات الملوثة للبيئة إلى مناطقنا، وتسرق 80% من المياه وتحتكر الغاز أو تمنع السلطة الفلسطينية من استخراجه.

الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تؤيد استمرار الاحتلال والضم، استناداً للمصالح الخاصة والمشتركة التي أوجدها الاحتلال.

في هذا السياق يتحدث كيالي عن حل توحيدي ديمقراطي أو ثنائي القومية يشكل مدخلاً لحل قضايا اللاجئين والقدس والاستيطان والموارد "المشتركة"، حل يلبي مصالح الطرفين وتطلعاتهما.

في أكثر من مكان يخلط كيالي بين مصالح وتطلعات المستعمرين مع مصالح السكان الأصليين المتنافرة على أرض الواقع ويحاول التوفيق بينها في الخيال.

وفي السياق يسمح لخياله بالاعتقاد بأن حل الدولة الواحدة يضمن تعاطفا عالميا لأنه يقوض ادعاء اسرائيل بالخطر الوجودي، – لا يوجد 5 دول تؤيده بينما يوجد أكثر من 150 دولة تؤيد الدولة المستقلة -.

الخطر الوجودي الذي يبثه معسكر اليمين الإسرائيلي يُستخدم هنا في تسويغ حل الدولة الواحدة، مع العلم أن إسرائيل دولة نووية وتملك أحدث جيش وأحدث أسلحة ومدعومة إلى أقصى حد من أميركا ودول الغرب، خلافا للشعب الفلسطيني المهدد وجوده في القطب الآخر من المعادلة.

وبعد ذلك يتحدث كيالي عن الشروط التي من المفترض توفرها لتحقيق الدولة الواحدة وهي:

• "انقلاب في وعي الإسرائيليين"، السؤال، كيف سينقلب وعي الاسرائيليين ويتحولون من مستعمرين  ومهيمنين إلى شركاء على قدم المساواة؟.

يتحدث كيالي عن انقلاب متخيل دون عناء التوقف عند الانقلاب الفعلي القائم في وعي الإسرائيليين  نحو اليمين القومي والديني المتطرف، الذي يغذيه ويفاقمه الاحتلال.

التغيير يا عزيزي لا يكون بمعزل عن خسائر وعقوبات وضغوط وعزل لدولة الاحتلال وبمعزل عن تحولات سياسية واجتماعية في الوضع العربي تنقل دولا أساسية من علاقات التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية إلى الاستقلال. 

ما يحدث هو العكس يا صديقي يكافأ الاحتلال والاستيطان – راجع اتفاقات "السلام" العربية المبرمة مع دولة الاحتلال، وفي الوقت نفسه يعاقب الشعب تحت الاحتلال لمجرد الاحتجاج السلمي على الانتهاكات المدوية لحقوقه. 

• ويضيف كيالي شرطاً آخر هو تغيير ملموس لصالح العرب من خلال اعتماد استراتيجية البناء والتطوير السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي.

عن أي عرب تتحدث يا صديق؟ عن الدول العربية المتحالفة مع دولة الاحتلال قولاً وعملاً، أم مع الدول التي سحقت انتفاضات شعوبها لأنها طالبت بالحرية والكرامة وكل ما يهمها البقاء في الحكم بأي ثمن. 

ألا ترى أن التطوير الاقتصادي والتكنولوجي العربي أصبح من خلال علاقات التبعية لاسرائيل والغرب ؟

• ثم يدعو لإيجاد معادلات سياسية جديدة من أجل تقويض المشروع الصهيوني بتعبيراته الأيديولوجية العنصرية وبمظاهره العدوانية والوظيفية وصولاً لإيجاد حل للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية وابتكار حل حضاري وإنساني لكل مظاهر الصراع. والانتقال من استراتيجية الصراع المباشر على وجود إسرائيل إلى استراتيجية تفكيكها. وللحديث بقية

[email protected]  

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز