الانتفاضات المغدورة إلى أين؟

  • الأربعاء 2020-12-23 - الساعة 10:50
بقلم: مهند عبد الحميد

بعد عقد من محاولة شعوب عربية تغيير قواعد اللعبة مع جزء من الأنظمة العربية المستبدة، ثمة أسئلة كبيرة وتداعيات أكبر وأخطر.
أسفرت الانتفاضات عن انتصار الثورة المضادة وإعادة إنتاج أنظمة أشد استبداداً.
أول ما يخطر على بال المهتمين. لماذا اندلعت الانتفاضات في دول تنتمي لأنظمة جمهورية عارضت وحاربت إسرائيل والاستعمار الغربي بوجود استثناء مملكة البحرين التي حسم فيها الصراع مع المنتفضين سريعاً على يد مجلس التعاون الخليجي.
هناك أكثر من سبب، كاستفحال التناقضات بين الخرائط الديمغرافية المتعاظمة والخرائط السياسية الضيقة المحصورة في طغم «أوليغارشية» ضيقة تستأثر بموارد البلدان.
تكرس في واقع تلك البلدان مقولة «الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا» ويتحولون إلى جيوش عرمرمية فائضة عن حاجة البلد وعن قدرة الدولة على تأمين الحد الأدنى من سبل العيش الكريم.
إن أي مراجعة للوضع عشية الانتفاضات ستجد أعلى نسب بطالة وأدنى مستوى دخل للفرد، وحظر الحريات العامة والفردية إضافة إلى نظام صحي متداعٍ ونظام تعليمي متخلف عن ركب العلم، وضمان اجتماعي لا يلبي شيئاً يذكر من حاجة الناس، فضلاً عن دخول تلك الأنظمة في علاقات تبعية جديدة عبر البنك الدولي وصندوق النقد واعتماد سياسة اقتصادية تنتمي للاقتصاد النيوليبرالي المعولم التي قادت إلى أزمة اقتصادية طاحنة على صعيد كوني.
كل هذا أفضى إلى أزمات طاحنة غير معبر عنها أو معترف بها أو مطروحة للحل.
هكذا لم يجد أبو عزيزي التونسي حلاً فحرق نفسه ليكون بمثابة شرارة أشعلت الحرائق في تونس ومصر وليبيا والبحرين وسورية واليمن وغيرها، حيث لم يجد السواد الأعظم من الناس ما يخسرونه فخرجوا للاحتجاج تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام».
ما أود قوله إن الانتفاضات التي أخذت شكل انفجارات شعبية كانت محاولة شعبية حقيقية لحل تلك التناقضات المستفحلة، ولم تكن مؤامرة خارجية إلا في خطابات الأنظمة التي كانت مطالبة بالاستجابة لمطالب شعوبها المشروعة في العمل والخبز والحرية والكرامة.
عوضاً عن ذلك، أعاد بعضها اجترار تبريرها لمصادرة الحريات وقمعها لأبسط الحقوق بذريعة انشغالها بالأمن القومي والسيادة، وخطر الإرهاب، أو بمعاداة اسرائيل وبالحفاظ على جبهة المقاومة والممانعة. بعض هذه الأنظمة اعتبرت أن شرعيتها تستمد من تلك الشعارات المنفصلة عن أرض الواقع، وليس من شعبها عبر صناديق الاقتراع.
ولهذا بررت قمعها الدموي والبوليسي الشديد للمنتفضين والمعارضين السلميين والعنفيين على حد سواء. الجديد الذي أفصحت عنه انتفاضات سورية والعراق ولبنان واليمن هو دور المليشيا العقائدية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني في كبح مطالب المنتفضين.
وفي الدفاع عن بقاء النظام المستبد الفاسد لطالما كان في خدمة النفوذ الإقليمي الإيراني أو يساهم في تأمين الغطاء السياسي له وفي شرعنته.
السؤال الجدير بالتوقف عنده، ما قيمة أن يكون النظام أي نظام معارضا أو معاديا لإسرائيل وأميركا - مع أن هذه المعاداة تضعضعت بمرور الوقت - وفي الوقت نفسه معادياً لحقوق شعبه وقامعاً له بل ومدمراً لوجوده ؟
وبماذا نفسر مقولة فرانس فانون: «استبدال شرطي أبيض بشرطي أصلاني»؟
ما قيمة المقاومة والممانعة إذا لم ترتبط بحرية وحقوق الشعب؟ الشعوب ضد الاستعمار والاحتلال لأنه يقتل ويقمع وينهب ويستغل ويقهر ويُرهب. إذا كانت الأنظمة أو المقاومات تمارس القمع والترهيب والاستبداد والاستئثار الطائفي، فلماذا تواليها وتؤيدها الشعوب؟ ألا يؤدي ذلك إلى انفراط العقد والرابطة التي تجمع بينهما على أقل تقدير.
القضية الأخرى التي تطرحها الانتفاضات بعد عقد من اندلاعها. هي دور دوائر البترو دولار والغاز دولار في الدفاع عن الأنظمة المستبدة باستخدام المليارات والمليشيات المسلحة، وفي تكريس علاقات تبعية وهيمنة غير مسبوقتين باسم الحق السيادي للدول.
المعطى الآخر في المشهد هو محاولات كسر إرادة التغيير عند الشعوب العربية، وفرض أمر واقع دائم من علاقات السيطرة.
إن أسوأ الإنجازات التي حققها معسكر الثورة المضادة هو زعزعة ثقة الشعوب بقدرتها على التحرر وتغيير الأمر الواقع للأحسن، ومحاولة استبدال قيم التحرر والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي وما انبثق عنه من معاهدات واتفاقات، هذه القيم التي دفعت الشعوب ملايين الضحايا من أجل اعتمادها كمرجعية للحرب والسلم، يجري الآن استبدالها بمنظومة غطرسة القوة والمال وبايديولوجيا تعصبية عنصرية، ووفقاً لذلك يصبح الاحتلال مشروعاً يكافأ أصحابه من المستعمرين بامتيازات لا حصر لها، والمستوطنون في أرض محتلة تبرم معهم الاتفاقات التجارية التشجيعية لترويج مسروقاتهم، وجرائم الحرب تصبح وجهة نظر تحظى بصمت فاضح، واحتجاز جثامين الشهداء ومستحقات الشهداء والأسرى يعامل كشكل تأديبي عقابي وكطقوس لا غنى عنها في احتفالات الحب المقدس مع المحتلين.
لقد أدى قمع الانتفاضات وتغييب دور الشعوب وتشويه قيم التحرر، إلى فرض علاقات التتبيع والتطبيع والهيمنة الأميركية الإسرائيلية في مواجهة مصالح الشعوب العربية وبخاصة الشعب الفلسطيني.
وما كان ذلك ليحدث لو انتصر الربيع العربي في أكثر من بلد، أو على الأقل لو لم يهزم ويشوه بهذه الصورة السوريالية.
كادت الموجة الثانية من الانتفاضات في الجزائر والسودان والعراق ولبنان تغير المعادلة بعض الشيء. لكن الذين أحرقوا الربيع كانوا للمنتفضين الجدد بالمرصاد. تولت المليشيات في العراق ولبنان مهمة الدفاع عن الطائفية والفساد وبناها المهترئة وأغلقت الأبواب أمام المنتفضين المطالبين بإسقاط النظام الطائفي وتغيير الحكم وعقده السياسي المتهاوي، حتى لو أدى ذلك إلى اندلاع حرب أهلية جديدة تحرق الأخضر واليابس.
وتولت دوائر المال وفريق ترامب تبييض العسكر في السودان بإبرام صفقة الشطب من قوائم الإرهاب ودعم بقاء العسكر في الحكم وتدفق الأموال مقابل صفقة الاعتراف بإسرائيل والانضواء في معسكر التتبيع. وساهم انتشار فيروس كورونا في بقاء أزمة الجزائر على حالها.
يعتقد تحالف غطرسة القوة والمال أنه قادر على صد وقمع كل محاولة شعبية للتغيير، وهو مُعتد بنجاحه في كبح موجتي الربيع خلال الأعوام العشرة السابقة، قد يستمر الكبح مزيداً من الوقت ما لم تتغير قواعد اللعبة من داخل الحراكات الشعبية وبخاصة لجهة وضع حدود فاصلة مع قوى الإسلام السياسي التي لعبت في خندق المنتفضين لمصلحة الثورة المضادة. ولا شك في أن التغيير الذي يحدث فرقاً هو تغيير في بنية القوى المنظمة وفي أساليب عملها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز