التقاضي الطائفي السياسي على ركام كارثة مرفأ بيروت

  • الثلاثاء 2020-12-15 - الساعة 09:37
بقلم: عبير بشير

في مسرح شديد التعقيد ومتعدد الفتائل، جاء الادعاءُ على حسان دياب، بتهمة "الإهمال والتقصير" على خلفية انفجار مرفأ بيروت، ودخل معه لبنان في نفق عميق من الشحن الطائفي، والتوتير السياسي، والخطر الأمني، على وقع محاولة استهداف موقع رئاسة الوزراء واستهداف نبيه بري، عبر الادعاء على الوزير علي حسن خليل، والتي غطت على أزمة تأليف الحكومة، وأعطتها إجازة قسرية، وأدى إلى تلاقي المتخاصمين على خلفية المس بطوائفهم، ورسم خطوط حمر بين أمراء الطوائف ورجال الدين.

فما انطبق على رئاسة الجمهورية المارونية والخط الأحمر الذي رسمته بكركي والمرجعيات المسيحية حول الرئيس ميشيل عون إثر المطالبات باستقالته عقب ثورة الأرز والانهيار المالي والاقتصادي في لبنان، لم يبق حكراً، فقد شهدت الساحة السنية مثله في التضامن مع رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، بعد الادعاء عليه بجريمة تفجير المرفأ.

وكأنها تقول للحاضنة المسيحية: "ترسمون الخط الأحمر على موقع رئاسة الجمهورية، نرسم ثلاثة خطوط على موقع رئاسة الحكومة.. ونقطة على السطر.

الاستهداف لم يتوقف عند الشخصيات السنية، فقد "قيل" بأن عون، قال أمام القضاة الذين استقبلهم في القصر الجمهوري قبل أيام، بأنه يريد رؤية نبيه بري ووليد جنبلاط في السجن، في إطار حربه على الفساد، وسارع بعض المشاركين إلى نقل ما جرى حرفياً إلى بري، فصدرت مقدمة قناة "إن بي إن" المملوكة لنبيه بري، بمقدمة نارية ضد عون.

لقد نجح المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي فادي صوان، في شد أزر العصب الطائفي في لبنان، وفي إعادة سعد الحريري إلى السراي الحكومي قبل ولادة الحكومة الجديدة، فقد خرق الحريري "شرنقة" الحصار السني عن رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب، وزاره في السراي متضامناً معه.

وأنهى الحريري بذلك، فصلاً كاملاً من القطيعة السياسية والمذهبية السنية لحسان دياب، بإنزال بري من خارج الخطوط المرسومة... هكذا، يتحوّل التعاضد الطائفي إلى فعل أقوى من القضاء بأشواط في جمهورية الطوائف!

هناك ضرورات وحسابات أملت على الحريري حماية حسان دياب. في الواقع أراد الحريري أن يحمي نفسه أولاً، كما موقع رئاسة الحكومة من أي استهداف قضائي لاحقاً. على قاعدة :"أُكلت يوم أكل الثور الأبيض"، وخصوصاً بأن نترات الأمونيوم كانت تتواجد في المرفأ خلال عهد حكومته بعد أن تم تفريغها في عهد حكومة تمام سلام.

لقد استيقظ المستوى السياسي والديني السني على واقعة لم تحدث في جمهورية الطائف: ملاحقة رئيس حكومة أمام القضاء.. هكذا بجرة قلم تحوّلت المعركة من مواجهة قضائية إلى مواجهة ذات أبعاد طائفية مذهبية.

وتزامنًا مع زيارة رئيس "المستقبل" إلى السراي، أصدر مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان بياناً حاداً أكد فيه رفض المس بمقام رئاسة الحكومة والتعدي على الدستور، لأن القرار يطال المقام السنيّ الأعلى في لبنان ويمهد لمزيد من القرارات التي تضرب مضمون اتفاق الطائف الذي منح رئاسة الحكومة صلاحيات استثنائية. وهو ما أعاد دياب إلى بيته "السنيّ" الذي طُرد منه فور توليه منصب رئاسة الحكومة، وخصوصاً بعد زيارة سعد الحريري والمفتي دريان له في السراي.

فيما تؤكد اوساط الحريري ودار الفتوى بأن رد الفعل سيكون مغايراً لو شمل قرار القاضي صوان رئيس الجمهورية الذي علِم بوجود باخرة الأمونيوم مثله مثل دياب. وسألت هذه المصادر عن الأسباب التي كانت وراء امتناع الرئيس عون بعد أن تلقى مراسلَة من مدير أمن الدولة بوجود هذه المواد في المرفأ، عن طرحها في اجتماعات مجلس الدفاع الأعلى.

وتشير المعطيات الى أن الادعاء على الرئيس دياب جاء انطلاقاً من أمرين: وهو مؤخراً رفض تفعيل حكومة تصريف الأعمال فأزعج العهد وولي العهد جبران باسيل فكان العقاب بالادعاء، وهو أمر بات معروفاً بالنسبة للعهد الذي يستخدم القضاء لتصفية حسابات سياسية.

والثاني استهداف رئاسة الحكومة التي تشكل صلاحياتها الواسعة وفق اتفاق الطائف، هاجساً كبيراً للعهد وتياره السياسي الذي دأب منذ وصول عون الى سدة الرئاسة على محاولات لمصادرة هذه الصلاحيات والقيام بممارسات تخالف الدستور وفرض أعراف تتناقض مع اتفاق الطائف.

ولم يعد ممكناً الفصل بين تأليف الحكومة، وجريمة انفجار مرفأ بيروت، فالإعصار الطائفي السياسي الذي أعقب الادعاءَ على دياب أطاح بكل شيء، وهي أصلاً كانت أصلاً مفتوحة على أفخاخِ الداخل وعواصف المنطقة.

وأصبح هناك شبه استحالة لتشكيل حكومة في ظل الانقسام الحاد القائم بين المكوّنات السياسية، ولا سيما بين بعبدا وبيت الوسط، هذا مناخ يأخذ لبنان إلى مطرح خطير جداً، لا سيما في غياب ضابط الإيقاع الداخلي والخارجي. وعدم مقدرة الرئيس الفرنسي، أن يؤدي دور غازي كنعان.

وباتت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرتقبة، أشبه بزيارة بروتوكولية لا أكثر، والدلالة أنه سيتوجه عند وصوله إلى المطار مباشرة إلى حيث تتواجد الوحدة الفرنسية العاملة في الجنوب، ولقاؤه في اليوم الثاني رئيس الجمهورية ميشال عون، إنما هو لقاء بروتوكولي.

 

ولعل ما يعبر عن سوداوية المشهد اللبناني في المرحلة المقبلة، ما قاله

وزير الخارجية الفرنسي، جان لورديان، لصحيفة "لوفيغارو" حيث شبه لبنان بـ "سفينة تيتانيك من دون أوركسترا"، مضيفاً: "هم في حالة إنكار تام، يغرقون ولا توجد حتى موسيقى".

فيما توحي حركة الحريري، أنه بصدد مغادرة البقعة الرمادية في مجابهة الإشكالية الحكومية، بعدما رفض عون مسودته الوزارية، وردّ بمسودة مضادة، وهو قرر على ما يبدو التصدي لمحاولة عون ومن ورائه باسيل الاستيلاء على صلاحيات رئاسة الحكومة.

النتيجة أن لا حكومة في الأفق، لا إصلاحية ولا غير إصلاحية، قبل مجيء ماكرون، وربما بعده، إلا إذا حدثت معجزة.

   

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز