هل يمكن تصويب العلاقات الفلسطينية العربية؟

  • الثلاثاء 2020-12-15 - الساعة 09:36
بقلم: مهند عبد الحميد

المغرب يلتحق بركب التحالف وترسيم التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ضمن نظام الصفقات التجارية السياسية التي اشتهر بها الرئيس المنتهية ولايته ترامب. قد لا يكون انضمام المغرب خاتمة المساعي المحمومة لإعادة صياغة شرق أوسط تحت السيطرة الأميركية الإسرائيلية، فهناك وعود من قبل فريق ترامب ووسطائه بإضافة دول أخرى قبل 20 كانون الثاني 2021. إن استمرارية عمل الصفقات المتناقضة مع القانون الدولي برغم سقوط ترامب وفوز بايدن في الانتخابات، يطرح استنتاجات أهمها، مقاومة الترامبية للهزيمة ومحاولاتها التأكيد على البقاء كظاهرة دولية قابلة للاستمرار والعودة. ومحاولتها فرض سياساتها بما هي مشاريع هيمنة ووصاية على دول المنطقة من البوابة الإسرائيلية، كأمر واقع غير قابل للتراجع. وتكيف الدول المبرمة للاتفاقات مع إدارة بايدن الجديدة مع الاحتفاظ بالتحولات التي أملاها ترامب وكأنه انتصار للترامبية ودعم لها حتى وهي في مرحلة الأفول.

ابرام المغرب بعد الإمارات والبحرين والسودان لاتفاقات مع دولة الاحتلال، وسط تأييد القوى النافذة في النظام العربي وتأمينها للغطاء المالي والسياسي للاتفاقات، يعني تحولاً في الموقف العربي الرسمي شكلاً ومضموناً من القضية الفلسطينية. لا شك في أن ما حدث ويحدث من تحولات في الموقف الرسمي العربي، ليس مفاجئاً أو جديداً، الجديد هو إشهار وترسيم العلاقات المؤسسة على مصالح أنظمة الحكم المبرمة للاتفاقات والدول المؤيدة لها على حد سواء. ذلك الإشهار جاء في غياب معارضة شعوب ودول عربية، بعد هزيمة الربيع العربي وانتصار الثورة المضادة وتحالف الأنظمة المستبدة المستهدفة مع الأنظمة التابعة ودول الهيمنة. بعد الاختلال الجذري في ميزان القوى لصالح الدول المصنفة في إطار علاقات التبعية، وفي مواجهة الشعوب، أصبح الإخفاء او الاضطرار لاتخاذ مواقف مناهضة للاحتلال الإسرائيلي وسياساته الاستعمارية في الأراضي الفلسطينية لا لزوم له من وجهة نظر تلك الأنظمة. وقد استبدلت مواقفها في الإخفاء والاضطرار بحقها في اتخاذ ما يسمى قراراً سيادياً مستحقاً، مغفلةً حقيقة افتقادها للسيادة أصلاً بوجود القواعد العسكرية وبتبعية الاقتصاد والمال للمركز الإمبريالي. ورغم ذلك يستمر الجمع بين تأييد المطبعين لحقوق الشعب الفلسطيني وفي الوقت نفسه تكافأ دولة الاحتلال على تدمير تلك الحقوق. تأييد الدولة الفلسطينية وتأييد تقويضها في الوقت نفسه، فتبرم الاتفاقات مع هيئات المستوطنين المطلوبين كمجرمي حرب في عدد لا بأس به من دول العالم، ويتم الاستثمار في فريق رياضي إسرائيلي عنصري لا يحظى بتأييد نصف الإسرائيليين، ويتم تبني الرواية التوراتية في ما يتصل بالمسجد الأقصى من قبل شركة طيران إماراتية. إن الجمع بين الموقف ونقيضه هو ملهاة جديدة لا تحترم العقول على أقل تقدير. ليس هذا وحسب بل ان هذه الدول لم تتورع عن التهديد والعمل على صناعة بدائل فلسطينية توفر غطاءً صريحاً للتتبيع والتطبيع مع دولة الاحتلال.

في كل الأحوال، أصبح الوضع الفلسطيني برمته سلطة ومنظمة ومعارضة وشعباً في حالة لا يُحسد عليها. هناك الجزء الأكبر من الناس في حالة من الصدمة بسبب غياب النقد والتحليل والمصارحة من قبل المستوى السياسي بما في ذلك التنظيمات السياسية. فقد غلبت المجاملة والتبرير والعلاقات الرسمية وتجاهل ما يجري في الخفاء والعلن، على المصارحة والنقد وبناء سياسات تتناسب مع تلك التحولات الخطيرة. قد يعود ذلك الى الخشية من عقوبات وردود فعل تلحق الضرر بالجاليات الفلسطينية في تلك البلدان، كما حدث مع الجالية الفلسطينية في الكويت عام 1991. في هذا السياق تكتسب مراجعة العلاقة الفلسطينية العربية الرسمية أهمية كبيرة، من أجل خروج عامة الناس من الصدمة أولا، وبناء جبهة مضادة فلسطينية وعلى صعيد عربي ودولي، تأخذ في الاعتبار مصالح التواجد الفلسطيني في البلدان المطبعة.

اصل المشكلة، يعود الى ربط التحرر وتقرير المصير الفلسطيني، ببرنامج الأنظمة العربية المهزومة في حرب 67، البرنامج المسمى إزالة آثار العدوان. وبحرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 73. بعد الهزيمة شقت الحركة الوطنية الفلسطينية استراتيجية الثورة الشعبية التي تعتمد على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والأحرار في العالم مسميةً ذلك بحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، المستقلة عن استراتيجية الأنظمة التي تغيب الشعوب وتحظر الحريات، خلال ثلاث سنوات بدأ استقطاب جماهيري لمصلحة استراتيجية حرب الشعب. ولكن مع تشغيل الأنظمة العربية لماكينات التدخل والاحتواء تحت عنوان دعم الثورة، ومع تفاقم التناقض بين الانظمة مع وجودها المسلح في البلدان التي تواجدت فيها، وفي غياب رؤية عميقة للوضع الثوري الجديد بدأت الثورة تعود أدراجها الى حضن النظام العربي الرسمي، من خلال التعويل على برنامجه في إزالة آثار العدوان، وكانت النقلة النوعية بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973. في ذلك الوقت أغفلت منظمة التحرير وتنظيماتها حجم التحولات التي كانت تشي باستعداد الأنظمة الوطنية للدخول في علاقات تبعية. حين لم تستخلص تلك الأنظمة دروس الهزيمة المريرة، وأبقت على حالة الانفصال مع السواد الأعظم من شعوبها وكانت تعزل حل تناقضها مع دول الهيمنة الإمبريالية وإسرائيل عن مصالح السواد الأعظم من شعوبها. وفي حين كان هدف حرب 73 تحسين شروط المساومة مع أميركا وإسرائيل. ليس أدل على ذلك من موافقة نظامَي السادات والأسد على قرار مجلس الأمن رقم 338 الذي كرر التأكيد على قرار هزيمة 67 رقم 242 الذي يعترف بحق إسرائيل في حدود آمنة ومعترف بها. لقد جرى تركيب البرنامج المرحلي الفلسطيني على نتائج حرب 73 التي كرست هزيمة 67 من الناحية الفعلية، فلم يمض عامان على تلك الحرب حتى بدأت مفاوضات أميركية إسرائيلية مصرية تمخضت عن آفاق "كامب ديفيد" التي كرست علاقات تبعية جديدة، وأدت الى الانفصال عن القضية الفلسطينية رغم محاولات استخدامها كغطاء في المفاوضات عبر اتفاق الحكم الذاتي. رغم ذلك استمر الرهان الفلسطيني على إمكانية ترجمة البرنامج الفلسطيني من خلال النظام العربي، ما بعد اتفاقات كامب ديفيد التي أصبحت أمراً واقعاً، غير ان النظام العربي كان يدفع الحركة الفلسطينية باستخدامه الضغوط والدعم المشروط الى الحذو حذو كامب ديفيد، فكان له ما أراد باتفاق أوسلو. ومنذ الاتفاق بلغ عدد الدول التي أقامت علاقات تطبيع مع إسرائيل 12 دولة عربية، فضلاً عن الدول التي أقامت علاقات. وكانت دولة الاحتلال تتفنن في تقويض مقومات الحل السياسي على الأرض، ثم جاءت حلقة التطبيع والتتبيع والاندلاق العربي الرسمي على دولة الاحتلال. يبقى السؤال: هل تكتمل الدائرة التي بدأت بانفضاض فلسطيني عن النظام العربي، بإعادة انفتاح فلسطيني جديد على الشعوب العربية وتصويب العلاقة معها.

[email protected]

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز