نتنياهو الملاحق من اليمين

  • الجمعة 2020-12-04 - الساعة 09:08
بقلم: رجب أبو سرية

ربما يعتقد أو يتوقع البعض أن يؤدي سقوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جر صديقه  بنيامين نتنياهو إلى السقوط هو أيضاً، ورغم أن هناك بعض الوجاهة في مثل هذا الاعتقاد، إلا أنه لا يمكن النظر إليه على أنه صحيح تماماً، ذلك رغم الصداقة الحميمة بين الرجلين، بل والشراكة شبه التامة في كل ما يخص السياسة الخارجية الأميركية، الخاصة بالشرق الأوسط، وليس بالملف الفلسطيني فقط، إلا أنهما لم يكونا حليفين داخليين، ولهذا من الطبيعي النظر إلى أن سقوط ترامب في أميركا سيؤثر سلباً على قوة نتنياهو وحتى على بقائه في الحكم، لكنه ليس بالضرورة أن يؤدي إلى طرده من منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية تلقائياً، فهو لم يكن على أي حال موظفاً في البيت الأبيض، ولا أحد أركان أو أعضاء إدارة ترامب.

في أول رد فعل لبنيامين نتنياهو على خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية الأميركية، سارع إلى محاولة تعزيز منجزه التطبيعي مستعيناً بآخر أسوأ رجال البيت الأبيض، الطامح لوراثة ترامب في قيادة الجناح المسيحي الإنجيلي اليميني في الحزب الجمهوري، وزير الخارجية مايك بومبيو، في توسيع وتأكيد منجز التطبيع بمحاولة اصطياد السمكة الخليجية الكبيرة، أي السعودية، ثم سارع إلى محاولة تكبيل يدي جو بايدن فيما يخص العلاقة مع إيران لمنع عودتها إلى سابق ما كانت عليه أيام باراك أوباما، باغتيال عالم الذرة الإيراني، وربما قبل كل هذا أنه كان قد قرأ جيدا مصير ترامب مبكراً، فسارع إلى دفعه لمنجز التطبيع مع الدول العربية الثلاث، قبل أسابيع من الاقتراع.
لقد حققت إدارة ترامب لنتنياهو شخصياً منجزات جمة، يتباهى بها هذه الأيام لصد الهجوم الداخلي الذي عاد لتوه مجدداً عليه، وهو لا ينسى أن ترامب بالتحديد هو من كان أنقذه بالضغط على بيني غانتس عقب الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، ليشق صفوف معارضي نتنياهو الذين توحدوا من كل الأطراف على هدف إسقاطه شخصياً، ليشاركه الحكم، وفتح له بذلك باب تشكيل الحكومة الحالية.
وكان هاجس نتنياهو الشخصي متمثلاً بملاحقته قضائياً بتهم الفساد، حيث إن تشكيل الحكومة ومنحه الحصانة بموجبها، قد جمد ذلك الملف، ما ساهم في رفع مكانته في استطلاعات الرأي، لذا واصل الضغط من أجل تطويع غانتس وأشكنازي، وكان المحك طوال الأشهر الستة السابقة يظهر فيما يخص إقرار الميزانية، والتي يعني عدم إقرارها، تحكمه بمقاليد الحكم، لما تمثله الميزانية من قدرة على تقديم الرشاوى لشركاء الحكم خاصة من الحريديم.
بعد سقوط ترامب، توقف نتنياهو والليكود عن التهديد بالانتخابات الجديدة، ذلك أن تحديا جديدا قد ظهر لم يكن في حسبانهما، وهو أن التهديد جاء هذه المرة أيضاً من ناحية اليمين، ونقصد بذلك التصاعد المستمر لنجم تحالف أحزاب اليمين (يمينا) وزعيمه نفتالي بينيت، الذي تمنحه استطلاعات الرأي مكانة موازية لليكود، ما يعني أن نتنياهو والليكود وإزاء أي انتخابات جديدة، سيكونان بين خيارين أحلاهما مر، فإما التحالف الندّي مع بينيت بما قد يصل إلى التناوب في رئاسة الوزراء بينهما، وكذلك في عدد المقاعد الوزارية، أو تشكيل حكومة برئاسة بينيت و(يمينا)، مع طيف يميني ووسطي واسع، على اعتبار أن (أزرق - أبيض)، و(ياش عتيد) وحتى افيغدور ليبرمان، يمكنهم التحالف مع بينيت وتحقيق هدف إسقاط نتنياهو شخصياً.
منذ سنين وبعد جولات انتخابية عديدة متواصلة، لم يعد اليسار لا ندّا ولا متحدياً لا لليمين ولا لليكود ولا لنتنياهو، لكن جراب الحاوي اليميني، يخرج الثعابين مرة تلو الأخرى من نفس الإطار اليميني، ولا ننسى هنا أن من وضع نتنياهو والليكود في المأزق منذ العام 2018 كان اليميني أفيغدور ليبرمان وحزبه «إسرائيل بيتنا»، وكان نتيجة ذلك أنه حرمه وطوال العام 2019 من تشكيل الحكومة، لكن ورغم أن استطلاعات الرأي خلال هذا العام تمنح اليمين دون ليبرمان أغلبية مريحة، إلا أن تحدي بينيت هو ما يمنعه حالياً من اللجوء لخيار الانتخابات الرابعة خلال عامين.
ملخص القول، إن إسرائيل ليست مستقرة، رغم أن الوضع الإقليمي مريح لها، كذلك الحال الفلسطيني الذي ما زال يعاني من الانقسام الداخلي، ومن عدم ظهور المقاومة الشعبية، حيث تقتصر مقاومة الشعب الفلسطيني على الكفاح السياسي/الدبلوماسي والدولي، وإذا كان نتنياهو يكافح اليوم من أجل الحفاظ على منجزات الأمس القريب، فإن الأيام القادمة تحمل له رياحاً عاصفة، ذلك أن فتحه النار على إيران بشكل سافر لن يمر دون عقاب، كذلك الوضع العربي مع لملمة الوضع في ليبيا، واحتمال عودة سورية للجامعة العربية، كذلك احتمال تعثر التطبيع مع السودان، إذا ما امتنع الكونغرس عن الموافقة على شطبه من قائمة الإرهاب، وإذا امتنع عن المصادقة على صفقة (اف 35) للإمارات، فان ذلك سيعني وقف الاندفاعة الإسرائيلية على هذا الصعيد، ثم هناك هجوم السلام الفلسطيني، حيث بدأ السعي الذي يقوده الرئيس محمود عباس لعقد مؤتمر دولي أو حتى إقليمي، كل هذا مترافق مع عودة التحرك الداخلي، سيعني وضع نتنياهو في حالة دفاع عن النفس، لن ينجو منها هذه المرة على الأغلب.
في هذا السياق يجيء تصويت الكنيست بالقراءة الأولى على حل نفسه، حيث صوت «أزرق - أبيض» مع مشروع القرار الذي تقدمت به المعارضة، وينتظر القراءتين التاليتين، لكنه حمل بطياته معطى جديدا في السياسة الداخلية الإسرائيلية، بحيث صار نتنياهو مجبراً على التنازل لـ»أزرق - أبيض»، أو مواجهة ظهور حشد معارض يسقط حكومته الحالية بانتخابات أو بغيرها، وهذا ما أشار له غانتس حين قال إنه ليس شرطا الذهاب للانتخابات، فإذا وافق الليكود على الميزانية كان بها، وإلا يمكن تشكيل حكومة تضم «أزرق - أبيض» والمعارضة دون العرب بالطبع ولكن مع بينيت، أو الذهاب لانتخابات يتمخض عنها تشكيل حكومة على هذه الشاكلة.
خطورة التصويت بحل الكنيست على مستقبل نتنياهو كانت واضحة، بمحاولته أولا ثني غانتس عن التصويت مع المعارضة، ثم بالتحشيد الذي جرى في القاعة، حيث لم يتغيب عن الجلسة سوى خمسة نواب، كان ملاحظا أن نواب الحركة الإسلامية من القائمة العربية المشتركة كانوا منهم، وذلك حتى لا يصوتوا ضد نتنياهو!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز