الديمقراطية كآلية لإدارة الانقسام السياسي

  • الجمعة 2020-11-20 - الساعة 09:54
بقلم: محمد ياغي

خلال الانتخابات الأميركية كُتبَ الكثير في وسائل التواصل الاجتماعي عن احتمالات وقوع حرب أهلية بين مؤيدي الرئيسين ترامب وبايدن، والبعض ذهب إلى حد الحديث عن نهاية الحكومة الفيدرالية وقيام دول مستقلة بدلاً منها على غرار ما حدث في الاتحاد السوفييتي بداية تسعينيات القرن الماضي.

هذا الحديث ليس بريئاً وهو مدفوع بالأمنيات والرغبات تُعززها تقارير إعلامية مصدرها في الغالب وسائل إعلام روسية.
الذين تحدثوا عن احتمالات الحرب الأهلية الأميركية أشاروا إلى الانقسام العميق بين البيض والسود، بين الولايات التي تصوت للديمقراطيين وتلك التي تصوت للجمهوريين، إلى المظاهر المسلحة التي حدثت في العديد من التظاهرات، إلى الإعلام الذي ينحاز بعضه للديمقراطيين وبعضه للجمهوريين، وإلى نتائج الانتخابات نفسها التي أظهرت أولاً حجم الانقسام المجتمعي، وثانياً سعي ترامب لتغير النتائج بادعائه أن الانتخابات حدث فيها تزوير لصالح خصمه.
لكن كل ذلك يجب ألا يدفع البعض إلى افتراض وقوع حرب أهلية لسببين:
أولاً، جميع المجتمعات منقسمة على نفسها. هنالك انقسام طبقي بين الأغنياء والفقراء في كل مجتمع. هنالك انقسام على خلفية الهوية في كل مجتمع بين المتدينين وغير المتدينين، وبين المتدينين أنفسهم على خلفية مذاهبهم، وبين أهل الريف والمدينة، وبين المحافظات (الولايات) نفسها، وبين النخب التي تتصارع فيما بينها على مصالحها وبالتالي على الحكم.
الانقسام، وليس الوحدة، هو طبيعة المجتمعات.
الانقسام بين البشر موجود منذ وجود الإنسان، والوحدة هي الاستثناء، التي تتحقق فقط أحيانا عندما يكون هنالك خطر يهدد الجميع. لكن في الوضع الطبيعي الأصل هو التنافس والصراع بين الجماعات المختلفة التي لها مصالح متعارضة ووحدة المصالح نادرة الحدوث.
لذلك بناء توقعات على خلفية ما هو «طبيعي» هو مجرد أمنيات ورغبات تعبر عن توجهات أصحابها ولا يمكن بناء سياسات أو حتى تحاليل سياسية عميقة بالاستناد إليها.
ثانياً، الديمقراطية هي آلية لإدارة الانقسام. الناس لا تذهب للانتخابات لأنها مُتفقة مع بعضها ولكن لأنها مُنقسمة على بعضها.
لو كانت الناس متفقة لما كان هنالك ضرورة لذهابها إلى الانتخابات. قبول نتائج الانتخابات وبالتالي قبول تداول السلطة بشكل سلمي هو الذي يحمي المجتمع من الحرب الأهلية.
القبول بالنتائج لا يعني نهاية الانقسام المجتمعي ولكنه يعني أن الفريق الخاسر سيبدأ في تحضير نفسه للانتخابات القادمة ولو شعر هذا الفريق بأن النظام «السيستم» لن يسمح بانتخابات لاحقة بعد السنوات الأربع التي صوت الناس لمن يحكم فيها، لما كان سيقبل بتسليم السلطة لمن نجح في الانتخابات.
هذا يقودنا إلى الفرق بين الدمقرطة والديمقراطية.
في العالم هنالك عشرات الدول التي لا تزال في مرحلة الانتقال الديمقراطي رغم الادعاء بأنها قد أصبحت دولاً ديمقراطية.
الكثير من دول العالم هي في مرحلة مأسسة النظام الديمقراطي التي عرفها المفكر الأميركي روبرت داهل في كتابه «The Polyarchy» الصادر العام 1973 بأنها مرحلة تأسيس وترسيخ المؤسسات الديمقراطية.
هذه المؤسسات هي الحق في الترشح والانتخاب، انتخابات حرة ونزيهة، توفر حرية التعبير وتوفر الحماية لها، توفر مصادر للمعلومات لا تسيطر عليها الحكومة، الحق المطلق بتشكيل منظمات المجتمع المدني والأحزاب والانضمام لها، والتزام الحكومة بنتائج الانتخابات.
هذه الدول التي لا تزال في مرحلة مأسسة النظام الديمقراطي يمكنها أن ترتد عنها لأن المؤسسات الديمقراطية فيها لم تتجذر بعد.
الجيش يمكنه مثلاً أن يعتبر فريقاً سياسياً فاز بالحكم تهديداً لمصالحة وينقلب عليه.
حزب سياسي يمكنه أن يستلم السلطة وبعدها يمكنه أن يرفض إجراء الانتخابات ويستمر بالحكم.
فريق سياسي فاز بالانتخابات يمكنه أن يضع عراقيل على تشكيل أحزاب جديدة منافسة أو أن يحرم خصومه السياسيين من الحق في حرية التعبير.
هنالك الكثير من الأمثلة التي يمكن تقديمها على فشل عملية التحول الديمقراطي ابتداء من انقلاب الجيش بدعم أميركي على حكومة مصدق في إيران العام 1954 ومروراُ بالانقلاب العسكري لعمر البشير على حكومة الصادق المهدي المنتخبة العام 1986 إلى ما شاهدناه من فشل لعملية التحول الديمقراطي في بعض دول العالم العربي خلال الحراك الشعبي العام 2011.
في دول أخرى ومنها الولايات المتحدة والعديد من دول أوروبا الغربية، الديمقراطية وصلت إلى مرحلة التجذر.
أصبحت بلغة العالمين السياسيين، جوان لينز والفريد ستيفان في كتابهما «مشاكل التحول الديمقراطي وتجذيرها في دول جنوب أوروبا وأميركا الجنوبية وأوروبا ما بعد الشيوعية»، اللعبة الوحيدة في المدينة. وهما يقصدان بذلك أن النخب السياسية قد وصلت إلى قناعة راسخة بأنه لا بديل عن النظام الديمقراطي كآلية للحكم.
في أميركا النظام الديمقراطي متجذر لأن الدولة تأسست على هذا النظام قبل أكثر من مائتي عام ولأن المؤسسات الديمقراطية لم تنقطع عن عملها في أي وقت، ولأن النخب السياسية لديها قناعة بأن هذا النظام يحمي مصالحها، ولأن مؤسسات الدولة نفسها تخضع لأنظمة لا يستطيع بمن فيهم الرئيس نفسه تغييرها.
الطبيعي أن يكون هنالك انقسام مجتمعي لكن تنظيم عملية إدارة الانقسام هو الأهم وهذا ما يوفره النظام الديمقراطي ولا تتمكن من توفيره الأنظمة الأخرى.
لذلك أيا كانت حدة الانقسام المجتمعي في أميركا، فهي في نهاية المطاف تُحل من خلال المؤسسات الديمقراطية الموجودة فيها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز