الصائب العريق

  • الخميس 2020-11-12 - الساعة 16:19
بقلم: حافظ البرغوثي

ويشاء القدر ان يرحل في  يوم ذكرى رحيل قدوته الأول القائد المؤسس  الشهيد ابو عمار. رحل الرجل الطيب المبتسم ابدا الدكتور صائب عريقات بعد ان واجه بإرادة صلبة مرضا أشد من الكورونا وهو زراعة نصف رئة. اخر مرة  التقيته فيها كانت في الدورة الاخيرة للثوري جاءنا متوهجا منضبطا كعادته ومعه ملفه السياسي الذي يستعرض الوضع على الساحات الدولية المختلفة، كان الأكثر انضباطا في تقديم واجباته وظل حتى الأيام الأولى من إصابته بالفيروس مواظبا في نشر تصريحاته السياسية وكأنما يرفض المرض ويعانده. 
يا ابا علي كنا في لحظات هدوء نبث اسرارنا لبعضنا ونفصح عن مكنون النفس وكنت تتعاطف مع احزان غيرك ومنها حزني وقلت لك بالعامية ذات وجع كارثي " ترتح في زوجتك "وصرنا ما ان نلتقي حتى تقول  "احب  زوجتي جدا ". 
رحمك الله يا ابا علي  كنت ذات يوم بعد اوسلو مباشرة قلت بعد جلسة في منزلك ان الرئيس ابو عمار اعطاك ثقة مطلقة من تونس وفوضك بالتوقيع على امور مالية دون غيرك، فقلت لأنه عرفك واطلع على نقاء سريرتك وصفاء ضميرك امينا ومؤتمنا. كان الدكتور الراحل في اوج شبابه في القدس اثتاء الانتفاضة الاولى وكنا نلتقي مع نشطاء الانتفاضة في القدس عاصمة الانتفاضة في حينه في بدايات تشكل قيادة وطنية تتواصل مع الدبلوماسيين الاجانب، وكان ابو علي يحاجج باسلوبه الاكاديمي الواضح الزوار الاجانب والصحفيين . فهو عندما يتحدث يشرح كمن يريد افهام الاخرين ويعتبر نفسه في محاضرة جامعية ولهذا أحاط  بالتفاصيل والتطورات ولم يكن احادي الإلتقاط بل مستمعا جيدا، مثله مثل الدكتورة حنان عشراوي حيث برزا في تلك المرحلة.
أحب اريحا وخدمها وكان يحلو له المشي يوميا بضعة كيلومترات في شوارعها للقضاء على السمنة التي داهمته بسبب انهماكه في العمل السياسي المضني والسفر والسهر، ولم يخرح منه قط اي موقف تنازلي بل ظل امينا على الثوابت الفلسطينية كقدوته ابو عمار، ولهذا ظل قريبا من الرئيس ابو مازن الذي وثق به فكان همزة وصل  بين الشهيد المؤسس وخليفته سادن الثوابت الفلسطينية الرئيس ابو مازن الذي لم ولن يفرط فيها وسط الخذلان العربي المحيط . 
تحمل الراحل الكثير من النقد غير الموضوعي واللوم دون سبب، لكنه لم يعر كل ذلك ادنى اهتمام فهو مخلص في مهامه مؤمن بعدالة قضيتنا لا مكان للحقد في قلبه  فكان محبا للكل وكنا نعرف حقيقة مواقفه الوطنية المتجذرة في نفسه في مداخلاته التي لم تنشر. 
رحمك الله ايها المحب لوطنك ولعائلتك الصغيرة فمن لا يحب مدينته اريحا لن يحب وطنه الاكبر ومن لا يحب عائلته الصغيرة لن يحب شعبه. اذكر بأسى اخر حوار بيننا عندما وجدني انفخ سيجارا، حيث قال" اتركه ، خذها مني نصيحة اتركه ولو اعدت حياتي مجددا فالشيء الوحيد الذي لن افعله هو التدخين". فقلت مازحا  لو اعدت حياتي مجددا لأخترت ألا اعيش، لكن دعنا من هذا وقل ما لم تقله في الفيديو عندما غبت او مت لثلاث دقائق  في غيبوبة القلب اثناء العملية في امريكا فقال" لن أقل ابدا أكثر مما قلت فلا استطيع. أه لو قلت اه لو قلت ايها العاشق للجميع، قبل رحيلك الابدي  لعرفنا ما لم نعرف ورحلت لتعرف اكثر.  كلنا احببناك كمؤتمن ونبقى على العهد. رحمك الله.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز