لا يوجد خيار ثالث

  • الثلاثاء 2020-09-29 - الساعة 08:35
بقلم: مضر قسيس

انطلقت يوم الجمعة الماضي أعمال مؤتمر مواطن السنوي في نسخته السادسة والعشرين بعنوان "متى تعود الابتسامة إلى عالمنا؟". وجاء عنوان المؤتمر متسائلاً عما يعاكس ظروف انعقاده التي تشهد أزمة اقتصادية تنذر بالتفاقم إضافة إلى الأزمة الصحية، وترافقهما أزمة في عملية التعليم. وفوق هذا وذاك جاءت سلسلة إعلانات عن اتفاقات دولية حول تحالفات أمنية بمسمى اتفاق سلام، أبطالها إمبرياليون وصهاينة ورجعيون عرب، جوهرها إعلاء شريعة الغاب على القانون الدولي، وعلى الاتفاقات الإقليمية، تمنح المستعمِر صك غفران، وتوجه إلى شعبنا الفلسطيني صفعة ترافقها ابتسامة صفراء تعلن ما يعتقدون أنه انتصار المال على النضال.

ولكننا بالتأكيد لم نفقد الأمل في الوصول إلى زمن تعود فيه الابتسامة، تلك الابتسامة التي ترتسم على الوجوه عند انتهاء حرب دامية، وعند تحقيق إنجاز عظيم مثل جلاء قوات الاحتلال الفرنسي عن الجزائر، أو انتصار الثوار الفيتناميين على الجيش الأميركي المعتدي، أو عند تأميم قناة السويس، وعندما يتحرر الشعب الفلسطيني، وعندما ننتصر على "الكورونا".

موضوع المؤتمر يذكر بالجزء الثاني من موضوعة ماركس الحادية عشرة الشهيرة "ولكن المشكلة تكمن في تغييره [أي تغيير العالم]". ورغم أني أعتقد أن تغيير العالم هو فعلا القضية الجاثمة أمامنا اليوم، إلا أنني أعتقد أيضا أن الحاجة إلى تفسيره ما تزال قائمة.

هناك خطر داهم في هدف التغيير الذي أدعو إليه، وهو خطر يمكن أن يأتي من اليمين ومن اليسار: فإن خطط وآليات التغيير التي تدفع ثمنها الغالبية دون النخبة غير أخلاقية. أما التغيير المنشود فلا بد أن يكون أخلاقياً، وتحقيق هذا التغيير الأخلاقي يتطلب الانغماس في عملية التغيير، أي الانتقال إلى النقد العملي (الاشتراك في عملية التغيير) بدلا من الاكتفاء بالاعتراض، وإلقاء اللوم.

إن القلة المستفيدة من وضع العالم الراهن ستدافع بشراسة عن بقائه. وهي تمتلك الكثير من الأدوات والمقومات لذلك، فطالما استخدمتها للوصول إلى الوضع الذي عليه العالم. وهي ذات الأدوات التي تستخدمها للحفاظ على مكانتها وتعزيزيها. ولكنها لا تمتلك الموارد الأهم التي تصبح أدواتها غير ذات قيمة بدونها: الناس الذين يشكلون الغالبية الضرورية لتوفير تلك المقومات التي تمتلكها القلة المستفيدة.

هنا يأتي دور المثقف، حيث يشكل الانتقال إلى النقد العملي تجسيدا لفكرة المثقف العضوي، الذي يتصرف بمهنية، وينتقل من التعليق على الأحداث إلى تصميمها، وتنفيذها. ويتطلب ذلك التمرد على الخطاب الذي تروج له وتمليه وتدعمه النخب المهيمنة والذي يُطلق عليه "الخطاب الدارج". لقد ضاق هذا الخطاب الدارج إلى درجة بات فيها خانقا، إلى درجة صار فيه الخطاب كمّا للأفواه. لقد باتت الوسطية في الحقبة النيوليبرالية متطرفة. إن من اللافت للنظر أن ما يتم تعريفه على أنه منضبط ضمن الخطاب الدارج ما فتئ يزداد ضيقاً، ويقل تنوعاً، وينزاح إلى اليمين بشكل مطرد منذ عدة عقود. فاليمين القومي، وخاصة ذا النزعات النازية الجديدة كان يعتبر تطرفاً مرفوضاً في أوروبا في ثمانينيات القرن الماضي، وهو اليوم يعتبر موقفا يمينيا يشكل جزءا مشروعا من وجهات النظر السياسية. وعلى العكس فالمقاطعة التجارية والثقافية لجنوب أفريقيا إبان نظام الأبارتهايد كان موقفاً سائداً في أوروبا، بينما تعتبر الدعوة إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية اليوم جريمة.

لننظر إلى الخيار الذي يضعه الخطاب الدارج اليوم أمامنا: الموت بسبب المرض أو الموت بسبب الجوع. ولسبب ما، فإن استخدام الموارد المالية المتراكمة لدى قلة من الناس، يملك ستة وعشرين شخصاً منهم نصف ثروة الكوكب، لتمكين العمال، وصغار التجار، ومقدمي الخدمات، والذين يعتاشون من العمل بالقطعة، وغيرهم من تجنب الوباء إنّما هو أمر غير وارد. بل إن وضع فكرة من هذا القبيل للنقاش يُعتبر تطرفاً، بل وربما تطرفاً عنيفاً!

إننا نختنق في الفضاء الرحب للعولمة النيوليبرالية، نختنق من الإبداع، والتمكين، والفرص، والتميز. فقد اتضح أنها وعود تتحول إلى ما يذكرنا بوعود موسوليني وهتلر بالوظائف، والاعتزاز القومي، وإنكار الصراع الطبقي! أليس هذا هو ما تجسده النسخة الأخيرة من قادة الحقبة النيوليبرالية؟ أليست هذه هي وعودهم؟ إنهم يعدون بأخذ النيوليبرالية إلى قمتها الفاشية. إنهم يعيدون إنتاج أبشع مراحل التاريخ، بأحدث الأدوات والإمكانات التقنية.

ولكي نتجنب هذا المصير الأسود (بقمصان سود أو بدونها) لا بد من التمرد على هذه المنظومة. فخيارات المستقبل المنظور هي إما الفاشية أو المساواة، ولا أرى خياراً ثالثاً. لقد أشرت إلى التمرد على أنه النقد العملي، وهو ممكن، وقادر على دفع عملية التغيير، ويمكن استخلاص شروطه من التاريخ، ومن الشارع، ومن النظرية، وهي ليست جديدة ولا معقدة:

أولاً: العمل الجماعي المنظم، والهادف، والمستند إلى رؤية نظرية، ويمتلك استراتيجية، يتم بناء عليها تحديد آليات العمل وتكتيكاته المناسبة، بما في ذلك التحالفات المبدئية طويلة الأمد، والتكتيكية قصيرة الأمد. ويعني ذلك ضرورة إحياء أنماط مناسبة للتنظيم السياسي قادرة على نقل الشرعية إلى منبعها: إلينا.

ثانياً: التخلي عن الوسطية وإعطاء مكانة مركزية في التحليل وفي التخطيط للصراع الطبقي. علينا أن نرفض الشعار القائل بأننا كلنا في نفس المركب. فكما بات الكثيرون يرددون مؤخرا، نحن في نفس البحر، ولكننا في مراكب تختلف في سرعتها وأمانها. إن تحديد الأصدقاء والأعداء وبناء التحالفات يحتاج إلى تقييم وثيق للظواهر، وللمظاهر، وللدوافع والمصالح.

ثالثاً: التوقف عن التفاوض بشروط القوى المهيمنة، فلا يمكن إحراز نجاحات في حال القبول بالشروط التي تفرضها هذه القوى، بل يجب فرض شروط عادلة للتفاوض حول مستقبلنا. يتطلب ذلك التخلي عن الفكرة الدارجة القائلة بأن ما نعيشه هو "شروط اللعبة" التي صممها أحدهم وباتت قدراً لنا، فحياتنا ليست لعبة. ثم إن اللعبة هذه مثل الكازينو، الرابح المضمون الوحيد فيه هو مالكه، وعلى الأغلبية الساحقة أن تخسر لكي يربح هو.

رابعاً: يجب التوقف عن القبول بالليبرالية بديلا للديمقراطية، فالليبرالية بدون تعددية تعني فقط هيمنة السوق، أما التعددية الحقيقية، فتتطلب ديمقراطية قادرة على لجم السوق ووقف تغول رأس المال. ويعني ذلك أن نناضل في سبيل تحقيق ديمقراطية راديكالية، فلا يوجد نظام آخر قادر على وقف احتكار المال، والقوة، والسياسة، ومقومات العيش في يد القلة. إن مقتل الليبراليين اليوم يكمن في قبولهم بـ"شروط اللعبة" التي تعترف بالتعددية فقط في نطاق ما هو دارج (أي مهيمن)، ولا يُسمح للآخرين بلعب دور متكافئ في عملية تحديد النطاق. فقد بات جليا الطابع الإقصائي والتهميشي للمنظومة الليبرالية المعاصرة. وخير دليل على ذلك هو الممارسة المتزايدة في أنحاء العالم لكم الأفواه في حاضنات الحريات الأكاديمية التي تتغنى بليبراليتها.

خامساً: يحتاج الرد على الفعل المعولم إلى فعل جماعي عالمي وأممي. وهذه قضية معقدة لا متسع للخوض فيها هنا. بيد أن هناك أسئلة ضرورية لتأطير الإشكاليات المحتملة لهذه القضية: هل يمكن إنشاء فعل عالمي عن طريق تجميع الأفعال المحلية؟ هل بالإمكان الاستناد إلى العلاقات الدولية في الرد على الفعل المعولم؟ أو هل نحتاج إلى تحالفات شعبية أم تحالفات دول؟ في صالح أي من المعسكرين تلعب سياسات الهوية في نهاية الأمر؟ هل تشكل الهويات الأصلانية، والإثنية، والعرقية، والمناطقية، والدينية سنداً لرد الفعل العالمي أم عبئاً عليه؟

يجب أن يعود الفلسطينيون إلى لعب دور طليعي في مشروع التحرر العالمي، كما كانوا منذ عقود. حينها كانوا يتلقون الدعم من أرجاء العالم ليس من باب المساعدة، بل من باب التعاون. واليوم، بعد انكشاف زيف الوعد المعولم، آن الأوان لتوجيه الطاقات نحو عولمة النضال التحرري، وبغير ذلك سنبقى نندب قدرنا.

   

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز