لا حكومة لبنانية إلا بعد الانتخابات الأميركية!!!

  • الثلاثاء 2020-09-29 - الساعة 08:33
بقلم: عبير بشير

حرك ماكرون آخر أحجاره، ونزع قفازاته الناعمة في المواجهة مع السلطة اللبنانية التي يتحكم بها حزب الله، خلال مؤتمره الصحافي الذي عقده، بعدما دخلت المبادرة الفرنسية ومعها لبنان في المجهول، بعد أن رمى مصطفى أديب كتاب اعتذاره عن تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة في وجه رئيس الجمهورية ميشيل عون.

وفي مشهدية فلكلورية، اتهم ماكرون كل الطبقة السياسية في لبنان- التي بات يخجل بها -، بخيانة تعهداتها التي قطعتها له، بتسهيل ولادة الحكومة اللبنانية، مع ما يستدعيه ذلك من تحميلها تبعات هذا الفشل على المستوى الاقتصادي والمالي والمعيشي والأمني أمام اللبنانيين.

ولكن الكلام الأعنف، كان من نصيب حزب الله، حيث أكد ماكرون أنه لا يمكن لحزب الله أن يكون ميليشيا في سورية، وحزباً سياسياً محترماً في لبنان.

هذه الخطوة اعتبرها كثيرون، بمثابة "كش ملك" لحزب الله الذي عليه اليوم أن يختار بين الخسارة في مواجهة دولية محسومة النتائج أو التراجع الى الخلف خطوة وخسارة جولة وليس الحرب الدولية.

وبعيداً عن التحليلات التي وصلت إلى حد قراءة "انقلاب" خلف سطور، فإن ماكرون كان يتوقع من "الحزب" بالتحديد أداءً مختلفاً، خصوصاً أنّ الفرنسيّ يكاد يكون الوحيد الذي يحافظ على "صلات مباشرة"، مع حزب الله، انطلاقاً من فصله بين جناحيْن سياسيّ وعسكريّ، علماً أنّ ماكرون نال "نصيبه" من الانتقادات من واشنطن بعد اجتماعه المباشر بمحمد برعد، وهو ما يبدو أنّ "الحزب" فرّط به، أقلّه بمنطق الفرنسيّين.

ولعل المهلة الجديدة التي أعطاها ماكرون للبنانيين لتشكيل حكومة والتي تتراوح بين ٤ و٦ أسابيع هي مجرد رهان فرنسي على نتائج الانتخابات الأميركية.

ووفق مصادر مطلعة، فإنه من غير المنطقي أن يكون الفرنسي قد قرر التحول فجأة إلى صقر أميركي، أي أن يتخلى عن الميزة التي تخوله لعب دور الوسيط في لبنان، حيث أن باريس – ماكرون غير جاهزة لفتح اشتباك سياسي حاد مع حزب الله وإيران، وأن الاستثمار السياسي مع إيران وفي لبنان، يعني أن على باريس أن تكون علاقتها مقبولة مع حزب الله.

وبالتالي فإن التصعيد الفرنسي ضد "حزب الله" ما هو إلا تصعيد شكلي أصاب معظم الأطراف، لكن الضغط النوعي، الكلامي، ضد الحزب قد يكون ملاقاة لرغبة أميركية خليجية ما بالتصعيد ضد الحزب، وتحميل فشل المبادرة له، مقابل عدم الذهاب بلبنان إلى الانهيار الشامل – هذا البلد العزيز على قلب فرنسا-.

فمن زاوية جيوبوليتكية، مستندة الى التاريخ والثقافة، والانتداب والفرانكفونية، تحرك ايمانويل ماكرون، باتجاه لبنان، في لحظة، زمنية، بالغة التعقيد، لهذا البلد، الذي ولد على يد فرنسا قبل 100 عام.

وبمعزل عن تداعيات الولاءات اللبنانية، ومرجعياتها الإقليمية والدولية، خلال قرن كامل، بقيت قوة وتأثير السحر الفرنسي على اللبنانيين، بثقافة باريس وجامعاتها ومدارسها، وتأشيرات الدخول.

وجدَد الرئيس ماكرون الاهتمام الفرنسي الاستثنائي بلبنان، بعد انفجار 4 آب في مرفأ بيروت، وأطلق مبادرة الفرصة الأخيرة، للإنقاذ المالي والاقتصادي، من قصر الصنوبر، في معرض إحياء مئوية إعلان دولة لبنان الكبير.

كانت كلمة السر الفرنسية، التي شاعت على الألسن، ان لا عطاءات أو مساعدات او هبات أو قروض ما لم تشكل «حكومة مهمات»، رشح لرئاستها السفير اللبناني في بون مصطفى أديب، الذي ما أن تلقى «المهمة» كما هي مرسومة، حتى راح يتصرَّف، كسفير، وليس كسياسي.

اصطدم الرجل «بالحاجز الإسمنتي الطائفي»، وراح يبحث عن مسار، تجاوز «مهلة الأسبوعين»، التي حددها ماكرون، وأرجأ اعتذاره أكثر من مرة، عندما انقلبت الكتل النيابية على زهدها، وانفتحت شهيتها على التوزير، في محاولة منها لاستنساخ حكومة دياب.

بدت حقيبة المال أمّ العقد، ولكن هذا لا يلغي أنّ عُقدًا أخرى لا تقل فعالية تعطيلية، كانت لتظهر بعد حلّ عقدة المالية، في طليعتها مطالبة التيار الوطني الحر بالمعاملة بالمثل، والتمسّك بحقائب، أبرزها الخارجية، خصوصًا أنّ مبدأ المداورة يكون قد سقط، وهنا لا يمكن إغفال النصائح التي هبطت على أديب بوجوب التشاور مع الكتل، لاسيّما مع جبران باسيل رئيس أكبر تكتل نيابي. كما أن حجم الحكومة بدوره كان ليشكّل عقدة، فالبعض كان يبحث في حجم الحكومة، وحسابات الثلث المعطل لم تغب عن باله.

لكن أديب احترم نفسه، واعتذر، وكذبت «المياه اللبنانية الآسنة» الغطاس ماكرون.

ويأخذ الإليزيه، في حساباته، وهو يعيد النظر في قراءة المشهد، بعد سقوط المبادرة، دموع التماسيح، التي ذرفها، اللاعبون المحليون، على مسرح الدمى اللبنانية: بعبدا، تعلن ان المبادرة الفرنسية مستمرة، بمبادئها الإصلاحية، وعين التينة تعلن، عبر بيان مكتوب، انها أكثر تمسكاً، من اي طرف بمضمون المبادرة الفرنسية.

وبيت الوسط، ينفض يده من اللعبة، ويتوعد سعد الحريري الذين ظلموا الأليزيه، بعضّ أصابعهم ندامة، وهو الذي تجرع كأس السم وحيداً، بقبوله ان يتولى شيعي وزارة المال.

أما القوات اللبنانية، التي استدركت بعد لحظات من اعتذار الرئيس المكلف، أنها ستسميه هذه المرة لرئاسة الحكومة، بعدما امتنعت عن تسميته في المرة السابقة..!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز