تحرُّر وطني أم استقلال وطني؟

  • الخميس 2020-09-17 - الساعة 13:02
بقلم: عبد المجيد سويلم

من بين المفاهيم الملتبسة والمربكة المتداولة في الساحة الوطنية، مفهوم التحرر الوطني كمرحلة، ومفهوم الاستقلال الوطني كمرحلة، أيضاً.
ومن أبرز تجلّيات هذا الالتباس هو فهمهما وكأنهما يعنيان الشيء نفسه، ويدلّان على نفس الجوهر وحتى على نفس المضمون.
وحتى حينما نجد تفريقاً واضحاً بين المفهومين في الأدب السياسي المتداول، ونجد من يطالب ويؤكد على أن القضية الوطنية تمرّ بمرحلة التحرر الوطني فإننا لا نجد التعليل العلمي لهذه المطالبة، ولا لهذا التأكيد.
من الثابت والمؤكد أن هذا الالتباس قد تعزز كثيراً بعقد اتفاقيات أوسلو، لكنه في الواقع سبق التوقيع على هذه الاتفاقيات بسنوات، تنامت خلالها وانتشت وانتشرت في ضوء الكثير من عناصر «دولاتية» المظهر والجوهر ليس أقلها أهمية الإعلان عن «قيام الدولة»، ثم تبني «وثيقة الاستقلال» (لاحظوا هنا المسمّى)، ثم توالي الاعترافات الدولية والإقليمية، ثم الاعتراف الرسمي بنا كدولة في الأمم المتحدة، ودخول المنظمة والدولة إلى اتفاقات ومعاهدات وعضويات كاملة في مؤسسات أممية كثيرة وكبيرة بما فيها مؤسسات القانون الدولي.
ولم يقتصر الأمر على هذا كله، وإنما تعدّاه إلى تبنّي المجتمع الدولي لـ «حل الدولتين» في وثائق رسمية تعتبر بكل المقاييس اعترافاً إماً صريحاً ومباشراً أو ضمناً بأن «الدولة» الفلسطينية هي حقيقة سياسية ثابتة في مستقرّ القانون الدولي، وان فلسطين ممثلة بالمنظمة أحياناً و»مجسّدة» بالسلطة الوطنية في أحيانٍ أخرى باتت جزءاً لا يتجزأ من القانون الدولي. والخلاصة هنا هي أن لدينا وضعا ملتبسا.
فمن ناحية كل الأرض الفلسطينية التي يعترف بها المجتمع الدولي ومؤسساته المختلفة والغالبية الساحقة من دوله بأنها فلسطينية، وبأنها تعود للشعب الفلسطيني دون غيره، وأنها ليست أرضاً متنازعاً على أحقية ملكيتها هي تحت احتلال عسكري مباشر من قبل إسرائيل، بما في ذلك قطاع غزة، بالرغم من انسحاب قوات الاحتلال من أجزاء كبيرة من القطاع [وذلك لأن الحصار والتحكُّم بالقطاع هو بيد قوات الاحتلال حسب مفاهيم القانون الدولي]، وبما في ذلك القدس الشرقية بالرغم من ضمها من قبل إسرائيل، وبالرغم من الاعتراف الأميركي الأخير بها كعاصمة لإسرائيل، وذلك لأن المجتمع الدولي والقانون الدولي لا يعترف، ولا يؤيد هذا الاعتراف كونه يخالف القانون الدولي تحديداً. لكن من ناحية ثانية فإن انطلاق المفاوضات قبل وبعد «أوسلو» كان بمثابة محاولة فلسطينية بالعبور إلى مرحلة الاستقلال الوطني، لأن قضايا الحل النهائي بما فيها الحدود والقدس والمياه وقضية اللاجئين وغيرها هي قضايا الاستقلال الوطني، وليس مجرد قضايا تحرر وطني صافية و»نقية» ومشفّاة عن عناصر ومكوّنات سياسية ذات الصبغة الاستقلالوية...!
في الآونة الأخيرة، ومع «هلول» الترامبية السياسية، ومع كل التحولات الكبيرة في المشروع الصهيوني بنسخته اليمينية القومية المتطرفة، ومع تبني الترامبية لأطروحات المشروع الصهيوني «بأحقية» السيطرة الإسرائيلية على كامل فلسطين الانتدابية، ومع بدء الاعتراف «العربي» بجزء من الأمر الواقع القائم اليوم في الأرض الفلسطينية وعليها، تتراجع بصورة كبيرة العناصر الاستقلالوية في هذه المعادلة، وتتنامى بالمقابل عناصر التحرر الوطني من حيث الأهمية والمكانة والأولوية. من بين أهم [المراجعات] التي باتت ملحّة ولم تعد تقبل المزيد من التأجيل والتسويف هي الحدود الجديدة، والتخوم الجديدة، وخطوط التماس والتداخل بين الحالتين.
وبسبب هذا الخلط والارباك والالتباس هذا، اقترفنا الكثير من الخطايا والأخطاء، ودفعنا ثمناً باهظاً بلا طائل.
في الواقع السياسي ركّزنا على بناء السلطة الوطنية وهمّشنا المنظمة، وحوّلناها إلى واجهة سياسية يتم «اللجوء» إليها في «الملمّات» السياسية أو عند الضرورات «الإجبارية»، وفي هذا الاطار بالذات تحولت المنظمة في أغلب الأحيان من دور القائد والرائد إلى دور الظهير والمساند.
وكان من جرّاء ذلك بالذات أن تم الزجّ بعشرات الآلاف من الكادر الوطني المجرّب كفاحياً في مؤسسات السلطة وأجهزتها، وتم تحويل هؤلاء المناضلين المجرّبين والذين شاركوا بفعالية عالية في المعارك الوطنية الحاسمة، وخصوصاً الانتفاضة الوطنية الكبرى في العام 1987 إلى مجرّد موظفين.
وقد انعكس الأمر على مدى اهتمامنا الحقيقي بالمجلس الوطني الفلسطيني والذي هو قمة الشرعية ومصدرها الأعلى، وعلى مؤسساته كما على كل مؤسسات المنظمة.
ومع أن بناء مؤسسات السلطة الوطنية هو إنجاز كبير بحدّ ذاته إلاّ أن الأزمة التي ولّدها هذا الاهتمام والتركيز قد أدّى من بين ما أدّى إليه الى استنزاف كبير للكادر البشري، وللموارد المالية، وخصوصاً ذات الأهمية والأولوية الخاصة بالتنمية الوطنية وبناء مقومات اقتصادية واجتماعية للصمود الوطني.
وتحول هذا الجيش من الموظفين اليوم إلى عبء اقتصادي ـ مالي كبير بعدما تحوّل في الواقع إلى أحد كوابح القرار السياسي، وإلى «همّ» يصعب تجاوز التبعات التي ترتبت على وجوده.
لم يقتصر الأمر هنا، أيضاً، على كل ما تقدم، وإنما تحول الصراع على السلطة وعلى امتيازاتها، وعلى الاستئثار بها والسيطرة على مقدراتها إلى حالة احتراب داخلي أدّت إلى الانقسام، وإلى البدء بمرحلة سوداء وقاتمة في تاريخنا الحديث. ودّشن من خلالها «الإسلام السياسي» تحديداً عصراً جديداً من رهن وارتهان القرار الوطني للصراعات والتجاذبات بين محاور الإقليم وصراعاته واختياراته وأحلافه وتوجهاته ومصالحه.
وكان من بين خطايا الالتباس والخلط ما بين مفهومي التحرر الوطني والاستقلال الوطني ان تحولنا إلى جزء من النظام العربي، نعوّل عليه، ونطلب مساندته ودعمه حتى اصبحنا في لحظات سياسية خطيرة وحاسمة نخشى معارضته ونتردد في الاعتراض على سياساته وممارساته.
صحيح أننا لم نرضخ له في اللحظات المصيرية، وصحيح، أيضاً، أننا تمردنا على انحيازاته الخطرة، ولكن الصحيح، أيضاً، أن ترامب نفسه بات يهددنا بهذا النظام، وبات يتكلم باسم هذا النظام ويملي عليه حصارنا وتجويعنا من على منصة البيت الأبيض، وليس في كواليس ودهاليز الدبلوماسية.
وكان من جرّاء ذلك كله أننا فقدنا فاعلية دور الطليعة والنموذج للحركات الوطنية الديمقراطية على امتداد الوطن الكبير، والتي نكتشف اليوم أنها هي وحدها الذّخر الاستراتيجي الحقيقي الأهمّ في معركة البقاء والصمود، وفي معركة المجابهة الجادّة للمشروع الصهيوني على أرضنا.
وعلينا أن نتذكر جيداً أن عودتنا للعب دور الطليعة والنموذج هو السلاح الفعال الذي نمتلكه في مواجهة ما وصل إليه البعض في النظام العربي من انحدار وتنكُّر وتنصُّل.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز