الأمناء العامون على موعد مع الوحدة

  • الثلاثاء 2020-09-01 - الساعة 09:12
بقلم: رجب أبو سرية

كلما أحاطت المحن بالشعب الفلسطيني، يجد الشعب المجرب في الكفاح الوسيلة المناسبة للرد، والخروج من المأزق، وهذا ما أبقى على قضيته حية، رغم أنها واجهت قوى عظمى عاتية على مدار قرن مضى، حدث هذا في أكثر من مناسبة، سنكتفي هنا بمناسبتين هامتين لأنهما أخرجتا أعظم ثورتين، ولأن لهما علاقة بالمحيط العربي، الأولى حين رد الشعب الفلسطيني على هزيمة العام 1967، بالثورة المسلحة المعاصرة، بعد أن تأكد له عجز النظام العربي أولاً عن حماية فلسطين ومنع سقوطها بيد العصابات الصهيونية عام 48، وتالياً عن تحرير ما احتُل منها عام 67، والثانية، حين ترك النظام العربي الثورة الفلسطينية تقاتل وحدها العدو الإسرائيلي بكل جبروته العسكري ثمانية وثمانين يوماً في بيروت، ومن ثم ظهر تخاذل النظام العربي بشكل صفيق في قمة عمان عام 86، ليرد الشعب الفلسطيني بأعظم انتفاضة شعبية عرفها التاريخ.

فيما يخص ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، يظهر النظام العربي الرسمي تخاذلاً صفيقاً، فهو يعجز حتى عن مواجهة «المنكر الإسرائيلي» بأضعف الإيمان، لذا فإن الشعب الفلسطيني يقف اليوم على عتبة لحظة حاسمة، تتطلب منه أن يجترح معجزة كما تعوّد دائماً، ليس من أجل تحرره فقط، ولكن ليظل أملاً للشعوب العربية المبتلاة بأنظمة متهالكة على عتبات العدو الإسرائيلي، أنظمة ليس بمقدورها أن تقول كلمة لا في وجه الصلف والغرور الأميركي، ورغم أن الحالة الداخلية الفلسطينية ليست في كامل لياقتها الكفاحية، إلا أنها وبحدودها الدنيا، أظهرت بمفرداتها أنها أقوى بكثير من أنظمة عربية تظهر قوتها فقط حين تواجه شعوبها، ولأن «يا وحدنا» التي كانت في بيروت مجربة وسبق للقائد التاريخي أبو عمار ان جربها أيضاً، حين قال «لا» في وجه الأميركي والإسرائيلي معاً، فان اجتماع الأمناء العامين بعد غد الخميس، يعتبر بكل المقاييس خطوة مهمة جداً، على صعيد الرد الفلسطيني القوي، على مؤامرة التطبيع والصفقة.

كانت إسرائيل تعرف بأن ما يمنع تمددها في عالم عربي هش، هو الصلابة الفلسطينية، التي لولا ظهورها عام 65_67، لربما واصلت زحفها في الجسد العربي، باحتلالات متتالية كل عشرة أعوام، لذا هي سعت دائماً، الى الضغط على الخاصرة العربية الضعيفة لتجاوز الحالة الفلسطينية التي ظلت شوكة في حلق الغول الإسرائيلي، وها هي تعتقد أنها بالدخول في العواصم العربية تباعاً، يمكنها أن تسهل ابتلاع الأرض الفلسطينية، ذلك أن أهم هدف لإسرائيل من وراء التطبيع مع الدول العربية، هو تحقيق خطة ضم الضفة الغربية بالأساس.

أمام الأمناء العامين للفصائل الوطنية والإسلامية مهمة كفاحية عظيمة، تتمثل أولاً بإعلان الجبهة الوطنية الموحدة في مواجهة الاحتلال، في مواجهة صفقة العصر وخطة الضم، وفي مواجهة الانهيار الرسمي العلني العربي، تماماً كما حدث عام 67، حين اجتمعت فصائل المقاومة الوطنية في إطار م ت ف، بإعادة الاعتبار لتلك المنظمة العظيمة التي حققت الإنجاز العظيم للشعب الفلسطيني، بتثبيت وجوده على الخارطة السياسية العالمية، وصولاً لاعتراف إسرائيل نفسها بها عام 93، ومن ثم تشكيل قيادة جماعية للمواجهة السياسية والمقاومة الميدانية، تثبت أن الشعب الفلسطيني قادر على انتزاع حريته واستقلاله بنفسه، ولا يعتمد على أنظمة هي بالأصل غير قادرة لا على الدفاع عن مصالح الأمة العربية ولا على الدفاع عن حقوق شعوبها، بل كل همها هو الحفاظ على كراسيها الوثيرة.

ولأن الناس عادة تختلف حول فتات الأنظمة والسلطات، فإن الخلاف الداخلي كان حول مغانم سلطة عابرة، تحققت كمنجز مؤقت بعد ثورتين، لكنها تتفق وتتوحد في ميدان المواجهة، حين تقاتل العدو الحقيقي، الذي يحتل الأرض ويقهر الجميع، لذا فإن إعلان قيام جبهة المواجهة الموحدة، سيعلي من شأن الجانب الكفاحي، ويقلل من حضور الجانب السلطوي، بما يفتح الباب واسعاً لإنهاء الانقسام، لذا فإنه من المتوقع ان يتفق الأمناء العامون على تشكيل جسم تنظيمي مقاوم يقود ثورة شعبية في مواجهة الاحتلال والضم، تندرج في سياقه التشكيلات التنظيمية على كل الجبهات الميدانية والسياسية، كما كان حال القيادة الموحدة للانتفاضة بعد عام 87.

ومن شأن هذا التشكيل الثوري أن يعيد ترتيب التحالفات الإقليمية وحتى الدولية حول الملف الفلسطيني، فلا بد من وقف كل أشكال العلاقات الثنائية الفردية بين الفصائل والدول، فالعلاقة مع الدول العربية والدول الإقليمية، يجب ان تكون مع الكل الفلسطيني أولاً، وثانياً ارتباطاً بموقف كل دولة من الحقوق الوطنية الفلسطينية، ومن طبيعة علاقتها مع إسرائيل، بحيث إنه يجب أن لا يعود مقبولاً بيع الكلام للجانب الفلسطيني، ومنح الفعل للجانب الإسرائيلي.

ويمكن هنا الرد على التهالك العربي، حتى في رده الباهت على الخطوة الإماراتية المنفردة والخارجة عن الموقف العربي الرسمي، بطرق أبواب المؤتمر الإسلامي، ما دامت الجامعة العربية قد عجزت عن اتخاذ حتى موقف يرفض القرار الإماراتي بالاعتراف بإسرائيل وهي ما زالت دولة احتلال لشقيق عربي.

كما لا بد من طرق أبواب الدول العظمى، التي بدأت بخلق حالة توازن دولي مع الولايات المتحدة، بإدارتها المغرورة الحالية، الخارجة عن القانون الدولي وعن قرارات الأمم المتحدة، لدرجة أن إشارات حرب باردة جديدة او حرب تجارية باتت تلوح في الأفق، حيث يمكن لفلسطين الموحدة والمتحدة، ان تعود كضمير دولي، كما كان حالها دائماً، من خلال الدخول في تحالف سياسي واضح وصريح مع الصين وروسيا، إيران وفنزويلا، وحتى كوريا الشمالية، فلم يعد الحياد ممكناً، ولا عادت محاولات ارضاء الأميركيين عملية، بل ان الوهم باحتمال أن تتخذ واشنطن موقفاً حيادياً، او حتى عادلاً قد تبدد على يدي إدارة دونالد ترامب.

باختصار، إن الأمناء العامين مطالبون أولاً بتحويل إعلان الوحدة الى برنامج عمل سياسي، يتمخض عنه تشكيل أدوات كفاح شعبي على كل المستويات لمواجهة الاحتلال وكل حلقاته بما فيها الحلقات التطبيعية العربية، بدفع الشعوب العربية لمواجهتها ورفضها ومحاصرتها، ثم بتحديد إطار سياسي، يعيد ترتيب معادلة الأصدقاء والأعداء، الحلفاء والخصوم، على الصعيدين الإقليمي والدولي، يتضمن تجاوزاً لكل نظام عربي يتورط في التحالف مع إسرائيل، لأي سبب كان، فاليوم يتحول أكثر من نظام عربي الى خصم، لا بد من الوقوف في وجهه بشكل علني وصريح.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز