التطبيع بين الخنوع وثقافة التحرر

  • الثلاثاء 2020-09-01 - الساعة 09:10
بقلم: مهند عبد الحميد

الفارق في الموقف والسلوك بين الجبهتين السياسية والثقافية كبير، الجبهة السياسية تشهد انهيارات مدمرة لمصلحة دولة الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي. لكن الجبهة الثقافية على صعيد عربي ما زالت تقاوم. وفي حين اقتصرت المعارضة السياسية للاتفاق الإماراتي - الإسرائيلي على الشجب والاستنكار، تشهد المعارضة الثقافية جدلاً حول مغزى التحولات في مواقف دول خليجية وحول كيفية مواجهتها. الجبهة السياسية باستثناء فلسطين وتونس والجزائر والكويت أمّنت الغطاء للاتفاق الإسرائيلي الإماراتي عبر مواقفها المنفردة أو عبر موقف الجامعة العربية التي رفضت طلباً فلسطينياً لاجتماع طارئ، وموقف منظمة المؤتمر الإسلامي الذي رفض بدوره عقد اجتماع طارئ بطلب فلسطيني لمناقشة الاتفاق الإماراتي - الإسرائيلي. الجبهة الثقافية باستثناءات محدودة لم تؤمّن الغطاء للاتفاق بل رفضته بإصدار بيانات رافضة، وبالانسحاب من مؤسسات وجوائز مدعومة من دولة الإمارات.

التطبيع العربي مع دولة الاحتلال هو العنوان الذي يلتقي أو يفترق عنده السياسيون والمثقفون. يساعد في ذلك تعريف إسرائيل وأدوارها في المنطقة. هل هي مجرد دولة متفوقة بالتكنولوجيا والأمن والاقتصاد ومعنية بالتعاون مع دول المنطقة لما فيه مصلحة شعوبها ورفاهها، أم أنها دولة استعمارية تسعى للهيمنة وفرض السيطرة وكبح التطور الديمقراطي؟ المقياس الأهم في تقييم الموقف الإسرائيلي من السلام الإقليمي هو موقفها من حقوق الشعب الفلسطيني ومدى استعدادها لتحقيق السلام معه؟ فمن غير المنطقي إبرام إسرائيل سلاماً مع دولة الإمارات التي تبعد 2094 كم وحرصها على سلام مع البحرين والمغرب وعمان والسودان، وتأجيج الصراع مع شعب وبلد على مسافة صفر أو تحت احتلالها. حقيقة الأمر ترفض إسرائيل صناعة سلام مع قطب الصراع الدائم (فلسطين) وتحاول إخضاعه لشروطها عبر «صفقة القرن» وتداعياتها المؤلمة. ماذا يعني رفض السلام في المكان الذي يحتاجه بل وتأجيج الصراع بالقتل والحصار والاعتقال وهدم المنازل ونهب الموارد وحجز أموال الضرائب وكبح حرية الحركة وقلع الأشجار وغير ذلك، وفي الوقت ذاته تقوم هذه الدولة بالاحتفاء «بالسلام» في الإمارات البلد الذي يقع خارج الصراع؟ لماذا بقي السلام مع الأردن ومصر بارداً ومقتصراً على الحكومات، وتعيش البلدان أزمات اقتصادية شديدة وفي الوقت نفسه يتحدثون عن سلام وتحالف وتعاون خارج منطقة الصراع؟ باختصار يمكن تسمية العلاقة بين الإمارات وإسرائيل أي شيء غير السلام، تحالفاً مثلاً، فالسلام لا يتجزأ ولا يتعايش مع نقيضه. ما يجري هو إعادة بناء الهيمنة في إطار علاقات استعمارية والإقرار بالدور الإسرائيلي الاستعماري كشرطي إقليمي مهيمن في عموم المنطقة. الجديد في المشهد السياسي أن دولة الإمارات تسلّم بالهيمنة الإسرائيلية التي تدفع ثمنها شعوب المنطقة.

فرق شاسع بين التطبيع الذي اقترحته مبادرة السلام العربية الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من كل الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، وحل قضية اللاجئين «بصيغة توافقية»، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وبين التطبيع الذي ترعاه إدارة ترامب على قاعدة «صفقة القرن» التي تثبّت الاحتلال والاستيطان والسيادة الإسرائيلية، وتشطب اللاجئين وتضم القدس والأغوار و30% من أراضي الضفة وسيادة كاملة على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67. التطبيع الذي نحن بصدده ليس فقط تراجعاً عن تلك الشروط، وإنما هو إقرار عملي بالسياسة الإسرائيلية النقيضة التي تتمحور حول «صفقة القرن» التي حظيت بتأييد عملي من الإمارات ودول عربية أخرى. وهذا يعني الخروج من الخندق العربي والدخول في الخندق الإسرائيلي، ولا يغير من هذا الواقع المرير الكلام عن تعليق الضم وتأييد حل الدولتين ودعم الشعب الفلسطيني. كلام ليس له أي رصيد، ولا يصلح حتى للاستهلاك العربي؛ من فرط تناقضه مع الوقائع الاستعمارية الإسرائيلية. التطبيع بهذه المواصفات يعني مكافأة المستعمر والمحتل وناهب الموارد وقاتل الأبرياء وصاحب سياسة العقاب الجماعي الفاشية، والمتبني لسياسة التمييز العنصري، وتشجيعه على الاستمرار بهذه السياسة التي جلبت له المليارات والأسواق والقواعد الإضافية لإحكام سيطرته الإقليمية وتعميق علاقات التبعية للدول العربية، ولقطع الطريق على تحرر الشعوب العربية من الأنظمة المستبدة والتبعية، وأقله استخدام هذا الإنجاز لتبييض فساد نتنياهو وتكريس سلطته وإنجاح ترامب في ولاية ثانية. ليس لهذا التطبيع اسم آخر غير التطبيع الخانع الحاط لكرامة الشعوب العربية.

للتطبيع الخانع، أوجه أخرى، أبشعها تبني رواية المستعمر المجتزئة وترديدها، «كإضاعة الفلسطينيين لكل فرص الحل»، بدءاً من رفض قرار التقسيم، مروراً بالامتناع عن الذهاب إلى مفاوضات بيغن السادات في العام 77، ورفض عطاءات باراك كلينتون في العام 2000، وانتهاء برفض فرصة الحل التي أتاحتها «صفقة القرن»، وأخيراً الاتفاق الثلاثي. وترديد البعض من رسميين وغير رسميين خليجيين حق إسرائيل في امتلاك فلسطين بالاستناد للأساطير التي دحضتها «الهستوريوغرافيات الجديدة وإنجازات علوم الآثار وأبحاث تاريخية والنظريات العصرية في نشأة الأمم والقوميات»، كما يقول المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند في كتابه اختراع الشعب اليهودي. كان صدى تبني الرواية الإسرائيلية حول حق اليهود بالصلاة في باحات المسجد الأقصى، التي كانت موجودة في نص «صفقة القرن»، ثم جرى تغييرها إلى الحق بزيارة المسجد وباحاته من قبل غير المسلمين، ليستعاد حق الصلاة لغير المسلمين في الاتفاق الثلاثي. وهذا يعني إجازة تقاسم المسجد الأقصى مكانياً وزمانياً.

لم يعط المستوى الثقافي غطاء ثقافياً للاتفاق الثلاثي التعيس، فخرجت الأصوات الرافضة من اتحادات الكتاب وبيوت الشعر ومن مثقفين وفنانين من الإمارات وعمان والكويت والبحرين ومن الجزائر ولبنان والمغرب، وسحبت عدداً لا بأس به من ترشيحات الجوائز. وفي الوقت نفسه ميز بعضهم بين المقاطعة الثقافية والمقاطعة السياسية ودعوا إلى بقاء الأنشطة الثقافية في الإمارات وتوطيد العلاقة مع شعبها والشعوب الأخرى. لا خلاف حول أهمية الحفاظ على التواصل مع شعب الإمارات وطبعاً مع الشعوب العربية قاطبة، ومن المفترض التمييز بين الأنظمة والشعوب. ولكن هل يمكن الفصل بين الثقافة والسياسة في غياب الديمقراطية وحرية التعبير والنقد؟ وكانت المبادرة التي أطلقها الروائي المبدع محمود شقير، ودعا فيها إلى استمرار جائزة الرواية من دون المال الإماراتي الرسمي والاستعاضة عنه بصندوق تبرع شعبي. وما تستدعيه هذه النقلة من تغيير البنية الإدارية والمهنية للجائزة. السؤال: هل تسمح الإمارات بفعالية ثقافية على خلفية رفض اتفاقها السياسي؟ سأرد بعرض قصة طريفة. في العام 2000 زار إدوارد سعيد الجنوب اللبناني المحرر من الاحتلال الإسرائيلي، وقذف حجراً على الجزء الإسرائيلي كتقليد اتبعه كل زوار بوابة فاطمة. كان الرد بإلغاء مشاركة سعيد في اجتماع لجمعية التحليل النفسي عقاباً له على تشجيعه «للإرهاب» حدث ذلك في بلد العالم الحر النمسا. ما أود قوله: إن دور الثقافة والفن لا يكون فاعلاً ما لم يحدث الانفصال عن النظام المطبع والخروج من شبكة تلاعبه بالثقافة والمثقفين والفنانين والإعلاميين. ما عاد الخلط ممكناً بين ثقافة التبعية والتماهي مع المعتدين من جهة وثقافة التحرر والأنسنة والديمقراطية من جهة أخرى.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز