الناجي من عصرنا رسمنا بأثر تقدمي

  • الإثنين 2020-08-31 - الساعة 16:44

 

كاتم الصوت اللعين لم يكتم صوته ، ظلت خطوط الشهيد ناجي علامة مميزة في التاريخ السياسي المعاصر كمحلل  بريشته    يتنبأ بما سيكون ويرصده باثر تقدمي. مع كل حدث جلل تنتكب به  الأمة  نعود الى رسوماته   لنجده وقد تنبأ بها كأنما يعيش اللحظة ، فهو علامة  في علم المستقبليات السياسية  بريشته وايقونته حنظلة. عندما اطلق القاتل المتوحش عليه الرصاص   وصارع الموت لأكثر من شهر في لندن كنا نضع ايدينا على قلوبنا حتى لا نفقده لأنه  قيمة فكرية نضالية فنية لا تقدر، ربما  كنت الوحيد الذي قالها عنه ذات سنة ان ناجي لا يتكرر ولا يعوض   عندما حوصر في بيروت  وكنت اطمئن عليه هاتفيا يوميا    قبل انقطاع الهاتف من الزميل الشهيد   حنا مقبل ، فكان يقول مالي لا اراك غير مهتم الا بناجي فقلت له كل شيء يعوض الا ناجي . فبعد نجاته من صيدا حيث اقتيد ليلا  مع رجال اخرين من المخيم الى البحر ليعرضهم الاحتلال على جواسيسه الملثمين  بحثا عن مقاتلين   ساعده شعره الابيض وانحناءة ظهره على النجاة فتوجه الى بيروت  ،ومنها لاحقا الى دمشق    ووصل الى الكويت وداوم في الوطن ، لكن لم يدم ذلك طويلا حيث افترقنا فقد تم ابلاغي بضرورة السفر والابعاد عن الكويت بعد ان تلقيت رصاصة تحذير من فصيل  مملوك لأحد  الانظمة عند مدخل الجريدة  وبعد اعتقال الفعلة تبين انهم مرتبطون  بفصيل مفتوح على كل مخابرات العالم والسبب انني كتبت عنهم  ووصفتهم بانهم  مماليك للانظمة يشوهون الثورة   .وطلبت مباحث امن الدولة مني المغادرة لانها لا تتحمل دمي ولا تستطيع حمايتي  فغادرت الى عمان حيث عملت في الدستور وكانت تجربة ممتعة تحسرت عليها لاحقا ، وواظب  ناجي بعد تركه الوطن الى القبس على الاتصال بي للانضمام اليه فحل رئيس تحرير القبس الصقر الاشكال مع السلطات الكويتية  وعدت الى القبس  وليتني لم اعد . 

   ظل ناجي الذي نجا من عصر الانحطاط   مهيمنا في عليائه وفي اوجه الفكري والفني  حتى الآن.فهو من تراب قريته  الجليلية  وظل على عهدها حتى النهاية . حتى في رسوماته البدائية في مجلة الطليعة الكويتية لسان حال القوميين العرب كانت رسوماته تنم عن نبوغ  سياسي تفجر على شكل خطوط من ريشته ، والغرابة انه كان معينا في المجلة كصحفي يغطي الشؤون البرلمانية  وصار  يرسم فيها حتى لفت انتباه صحيفة السياسة التي جذبته اليها من مجلته الاسبوعية الفقيرة. وهناك ابدع واشتهر وقاوم بريشته بواكير  الإرهاب بإسم الدين الذي تحول الى دواعش  حاليا وناصبه السلفيون المتطرفون العداء وانضم اليهم جماعة جمعية الاصلاح من الإخوانجية ،  وجاء من ينصحه   بالابتعاد عن الكويت والعودة الى مخيمه في الجنوب اللبناني رساما في السفير البيروتية درة القلم الحر في حينه حفاظا على حياته من الارهاب الملتحي    . فتلقفت الفرصة وكنت وقتها سكرتيرا لتحرير الوطن الكويتية فتوجهت الى رئيس مجلس الإدارة  المرحوم القومي الناصري محمد مساعد الصالح وعرضت عليه جذب ناجي العلي الى الوطن   ، فطلب ان ادعوه الى مكتبه وبالفعل اتصلت به ورتبت موعدا  وجاءنا ناجي    الخجول  وكان يكن احتراما للصالح على مواقفه الوطنية  ودخلنا الى مكتب الصالح وارتأيت  الانسحاب حتى اتيح لهما الدخول في تفاصيل العمل . وبعدها تم الاتفاق ان يرسل ناجي رسوماته من بيروت لننشرها  في الوطن ، وهنا استدعاني الصالح وقال لدينا مشكلة !فقلت ماهي !فقال ماذا سنفعل لانور امين فهو رسام منذ سنوات على الصفحة الاخيرة      وكان رساما خفيف الظل ظريف المعشر وخلوق  ،  وبالفعل كان موقفا يحتاج الى حل لأن الجريدة لا تريد الاستغناء عنه هكذا وقطع رزقه فقلت  بعد تفكير وجدتها  فالحل ان ننشر رسومات ناجي على الصفحة  الاولى ،ويظل الزميل انور  في مكانه على الأخيرة وهو ما كان . ظل ناجي يرسم من بيروت   ولما دخلت الالوان عالم الصحافة ارتأيت الطلب منه  ان يرسم بالألوان وهو مافعله احيانا،  وكنت بحكم منصبي اختار الرسم اليومي له وادخر الخطير منها لنهاية الاسبوع لتفادي اغلاق الصحيفة  من وزارة الاعلام وكنت انشر الخطير من رسوماته في الهدف الاسبوعية التي تصدر يوم الخميس بدلا من الوطن  لأن اغلاق الهدف   كان يمكن تحمله لأنها اسبوعية  .        وقد ركز في رسوماته    على الوضع اللبناني  المقاوم والمطبعين العرب في بدايتهم والمتكرشين الثوريين وتخاذل الفصائل الخ ، لذلك قدر من اغتالوه ان دمه سيذهب هدرا بين الفصائل والانظمة  والاحتلال    . لعلني أوجزت هنا بعض جوانب من حياته لكن بقي ان نقول ان جيش الاحتلال عندما اقتحم بيروت توجه الى جريدة السفير يبحث عن ناجي . فحكاية ناجي لا تنتهي  فبعد ان  اعادني الى الكويت            لم نمض في القبس طويلا    حيث  افترقنا  عنوة       فهو أبعد الى لندن ليعيش هناك   وانا  ابعدت  فعدت     الى الوطن ،  لكن  رصاصة الغدر قطعت عيشه هناك  . رحمه    الله  انه لا يتكرر .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز