عن المقارنات الظالمة

  • الأربعاء 2020-08-19 - الساعة 11:38

عبد الغني سلامة
2020-08-19
بعد الإعلان عن صفقة «أبراهام»، ونية الإمارات إقامة معاهدة سلام مع إسرائيل اعتبر الكثيرون أنّ تدهور الأوضاع، وتسابق دول عربية على التطبيع مع إسرائيل تتحمل مسؤوليته السلطة الوطنية، قائلين إن بداية الانحدار بدأت من «أوسلو»، وأن «أوسلو» فتحت الطريق لبقية الدول العربية، وأنه لا يحق لنا انتقاد الإمارات وغيرها طالما أننا نقيم علاقات مع إسرائيل.. والبعض أضاف: «الفلسطينيون هم من قدم المبرر للمتهافتين على التطبيع»، وآخرون بالغوا في جلد الذات: «نحن من سهّل للعرب الخيانة».
وفي ظني أن هذا الطرح شعبوي بامتياز، ويعبر عن تحليل سطحي متسرع ومتشنج، يخلط الأمور ببعضها، ويقفز إلى النتائج بتعسف ودون منطق. 
فمثلا، من بين عبارات جلد الذات أن الانقسام هو السبب.. لا أقلل هنا من شأن الانقسام وأثره السلبي الكبير والخطير على القضية الفلسطينية، ولكن لنتذكر أن مصر أقدمت على «كامب ديفيد» حين كانت منظمة التحرير في أوج مجدها العسكري، وكانت قواتها في لبنان، وفي حالة اشتباك دائم مع الاحتلال.. ولما أقدمت الأردن على توقيع اتفاقية وادي عربة كانت منظمة التحرير متحدة، والوحدة الوطنية متحققة على الأرض، وكانت السلطة في بداياتها الواعدة.
صحيح أن الإمارات ليست أول دولة عربية تقيم علاقات مع إسرائيل، فقد كانت الأولى مصر (كامب ديفيد)، ثم الأردن (اتفاقية وادي عربة).. لكن هاتين الدولتين لهما ما يرانه مبررات قوية لإقامة علاقات مع إسرائيل؛ فلهما حدود مشتركة مع الدولة العبرية، بالإضافة لقضايا المياه والطاقة والبيئة واللاجئين والمعابر ومعظم عناصر ومكونات القضية الفلسطينية التي تؤثر بشكل مباشر على الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والديمغرافية للبلدين، وسبق لهما محاربة إسرائيل، وتقديم آلاف القتلى في تلك الحروب.. ثم أنّ الأردن ومصر أقامتا معاهدات سلام، ولكنهما لم يقدما على أي خطوات تطبيع. 
والفلسطينيون أيضاً يقيمون علاقات مع إسرائيل (أوسلو).. لكن «أوسلو» أتت في سياق سياسي معين، في مرحلة صعبة، وجد فيه الفلسطينيون أنفسهم مجبرين على الانخراط في العملية السياسية، وأدركوا أن أي تأخر عنها سيكون له تبعات خطيرة على القضية ومستقبلها، وعلى حياة الفلسطينيين اليومية.  
بغض النظر عن مدى دقة وصوابية تلك التبريرات، فهذا مجال خلاف كبير في الساحتين الفلسطينية والعربية، لكن السؤال: ما الذي يدفع الإمارات للمسارعة في إقامة علاقات مع إسرائيل؟ بل والتطبيع معها، أي أن الأمر ليس فقط معاهدة سلام، بل وتطبيع أيضاً، وهي ليست لها أي حدود معها، ولا تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بمكونات القضية وتطوراتها.. الجواب يكمن في فهم دوافع الإمارات السياسية، وبالمصالح التجارية، وبالدور الوظيفي للإمارات.
بالعودة للمقارنة الظالمة بين «أوسلو» وتطبيع الإمارات، كتب الصديق رمزي الطويل على صفحته: «أستغرب من المقارنة بين اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي وبين «أوسلو».. «أوسلو» عبارة عن «إعلان مبادئ» وليس اتفاق سلام، ولا تطبيعاً، ولا اتفاق حل نهائي، وهو اتفاق انتهى رسمياً بحسب النص في العام 1999. والهدف منه التحرر والانفكاك عن الاحتلال».
الموضوع ليس تبرير ما حصل، ولا الدفاع عن «أوسلو» وتعداد مناقبه، فلا أحد يختلف على أن «أوسلو» تضمّن ثغرات كبيرة ونقاط ضعف قاتلة، الموضوع هو فهم السياقات التاريخية التي أتت بـ «أوسلو».
ولأن المقال لا يحتمل ذكر التفاصيل، ولكن بتخيل سريع لظروف وأجواء بداية التسعينات، سندرك أن «اوسلو» كان ممراً إجبارياً فرضته الظروف الموضوعية والذاتية على الفلسطينيين، بعد التغيرات العميقة التي طرأت على الساحتين الدولية والإقليمية، واستحالة مواصلة الكفاح من المنافي، بعد أن صارت البلدان العربية طاردة، والمنظومة السياسية بأكملها ضاغطة، لدرجة أن مصير منظمة التحرير بات على المحك، والمطلوب تصفيتها، وأن تصبح صورة أخرى من مجاهدي خلق، أو البوليساريو، أو حزب العمال الكردستاني.
مع الإقرار بكل سلبيات «أوسلو»، إلا أنه مكّن الفلسطينيين من نقل النضال من الخارج إلى المركز، إلى الأرض المحتلة؛ المكان الحقيقي والطبيعي للنضال الفلسطيني.
وفي هذا السياق، يضيف رمزي: «وكان من نتائج «أوسلو» عودة ما يقرب من ربع مليون فلسطيني إلى وطنهم، الأمر الذي أدى إلى ترجيح كفة الميزان الديمغرافي لصالح الفلسطينيين (وهذه من أهم جبهات الصراع)، اليوم تعداد الفلسطينيين تقريباً 50% من تعداد السكان لفلسطين التاريخية ما بين البحر والنهر، ولولا «أوسلو» لكان أفضل تقدير أن نكون بحدود 30% من تعداد السكان. وفيما يتعلق بالعمال الفلسطينيين في إسرائيل، قبل «أوسلو» كان عددهم ثلاثة أرباع المليون، من أصل 1.5 مليون.. ما يعني أنّ الغالبية العظمى من السكان كانوا يعتاشون بشكل مباشر وغير مباشر من العمل في بناء دولة اسرائيل وبناء المستعمرات، طبعا بسبب الحاجة إلى لقمة العيش. بعد أوسلو تراجع عدد العمال في إسرائيل من مليون الا ربعاً إلى ربع مليون، ولولا «أوسلو» لكان هناك على الأقل مليون ونص عامل». 
ومع أن السلطة من أهم نتائج أوسلو، ورغم ما يعتريها من فساد وترهل، إلا أن الأمانة تقتضي القول بأنها لم ترضخ للشروط الإسرائيلية ولا للضغوطات الأميركية، وآخرها صفقة القرن. وبالتالي لم تتنازل عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبقيت متمسكة بالهدف الوطني بإقامة الدولة وتقرير المصير والعودة والقدس العاصمة.
والفلسطينيون الصامدون فوق أرضهم، القابعون تحت الاحتلال، المواجهون للقوة الغاشمة، والقصف والاعتقالات والهدم، والحصار المالي، والعقوبات الأميركية.. كيف يٌقال أنهم خانوا، وتنازلوا وأعطوا المبررات لغيرهم بالتطبيع؟! 
إذا أردنا أن نضع الأمور في نصابها، لنسأل: ما حاجة دولة مثل الإمارات لمثل هذه الاتفاقية؟ التعاون، والتبادل التجاري، والاستثمارات.. هذا كله وهم، لا الإمارات ينقصها المال، ولا إسرائيل بحاجة للتكنولوجيا الإماراتية، كل ما في الأمر رضوخها للتوجه الأميركي، وفي هذا التوقيت بالذات يمكن إضافة: رضوخها للتوجه الترامبي، الذي يسعى لإنقاذ نفسه وإنقاذ حليفه نتنياهو، اللذين بحاجة إلى إنجازات، حتى لو كانت صغيرة وتافهة.. أما الحديث عن حماية مصالح البلد العليا، فكلنا يعرف أن مصالح البلد العليا هي حماية عروش حكامها ومصالحهم العائلية، متخذة، كما يفعل الجميع، من القضية الفلسطينية شماعة تعلق عليها أفعالها.
لنكف عن جَلد الذات، وتقديم المبررات لدول التهافت، ولنواصل كفاحنا وصمودنا دون انتظار مساعدة من أحد.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز