الدين والاستعمار

  • الإثنين 2020-08-17 - الساعة 12:02

عاطف أبو سيف
2020-08-17
الهجمة الإسرائيلية على القدس لم تتوقف منذ بداية المشروع الاستعماري لسرقة البلاد، وكان يتم استحضار المقدس والتاريخ المزيف في محاولة لجعل المعركة استكمالاً لحروب سابقة من المشكوك إذ كانت ثمة أحداث منها في وقائع التاريخ الفعلية. وربما بالنظر إلى المشروع الاستعماري الصهيوني لفلسطين، نجد أنه لم يختلف عن كل المشاريع الاستعمارية في التاريخ، وليس له من خصوصية في تركيبته وممارساته الأساسية سوى أنه سجل على نفسه أنه أكثر استعمار بشاعة في التاريخ، متجاوزاً في جرائمه كل ما فعله الاستعمار منذ اليونان حتى مذابح الأتراك والبريطانيين والفرنسيين ومجازر أوروبا البشعة في أفريقيا وآسيا. صحيح أن ثمة محاولات لصبغه بألوان التاريخ الباهتة غير الحقيقية، لكن في المحصلة كان مجرد مشروع استعماري ضم في طياته سرقة التاريخ ذاته، إلى جانب سرقة الأرض وطرد سكانها. وكل المشاريع الاستعمارية كانت تسعى لإقامة مستعمرات وطرد السكان وسرقة البلاد منهم، وكان يصحب هذا عادة نسج حكايات مختلقة يتعلق بعضها بالسماء وبعضها بمصالح الأرض. فمن حكايات التبشير إلى نشر الحضارة والرقي، إلى إنقاذ سكان المستعمرات من الفقر والجوع. أكاذيب كثيرة، لكنها كانت تشكل الدافع وراء بقاء عجلة سرقة الخيرات والمقدرات، وتجعل لها مبرراً في نظر اللصوص على الأقل. وفي سياقات أخرى، كان يتم استحضار المقدس مثلما كان الحال في قتل الرجل الأبيض لسكان أميركا الشمالية الأصليين من أجل أن يبني مملكته على أنقاض الآخرين. 
لاحظوا مثلاً أن المشروع الاستعماري الصهيوني لم تكن له علاقة بالمقدس، حيث مثل كل الاستعمار في التاريخ، خاصة الاستعمار الأوروبي الحديث والذي تعد الصهيونية ابناً شرعياً له، فقد بدأ على الساحل الفلسطيني. وكانت أول مستعمرة قرب الساحل شرق يافا، وبعد ذلك تم بناء المستعمرة الكبرى تل أبيب. فعلت الصهيونية كما فعل كل الاستعمار الأوروبي ببناء مدن على الساحل؛ حتى تكون قريبة من البلد الأصلي للمستعمر فيتمكن من الهرب في حال تعرضت حياته للخطر. لذا لم تكن القدس مهمة في بداية المشروع، بل كان المهم المستعمرة الجديدة. وأيضاً من سمات الاستعمار عدم الركون إلى التقسيم الإداري الأصلي، كما لا يركن إلى مدن السكان الأصليين، بل يقوم ببناء مستعمراته حتى تتناسب مع تطلعاته وتكون ترجمة لتوجهاته. هكذا كان الحال في جل مستعمرات أوروبا في أفريقيا مثلاً، ناهيك عن أميركا الشمالية. الاستعمار الصهيوني اتبع نفس السلوك. ولو كان الأمر يتعلق بالسماء أو بالتاريخ المفترى عليه، لكان بدأ الأمر في القدس مثلاً أو في نواحيها. وعلى العكس، فإن قادة الحركة الاستعمارية الصهيونية عاشوا في المستعمرات ولم يستوطنوا القدس. فكل قادة العصابات سكنوا الكيبوتسات أو مستعمرات الساحل، حتى حين بدأ مشروع التطهير العرقي كان التركيز فيه على الساحل، وباستثناء الشريط الحدودي الذي بات معروفاً بقطاع غزة فإن العصابات حاولت طرد كل سكان المدن والقرى من الساحل، فيما ظل الجزء الشرقي من فلسطين، الضفة الغربية، الذي من المفترض وفق الرواية الصهيونية أن تكون أحداث التوراة قد دارت، تحت السيطرة العربية. وربما من يفهم دينامية الاستعمار ويعرف تاريخ الحركة الصهيونية لا يجد في ذلك عجباً. لأن المقصود لم تكن السماء بل الأرض. والحركة التي كانت مستعدة لإقامة دولة إسرائيل في أميركا اللاتينية أو أفريقيا بالطبع لم تكن فلسطين بالنسبة لها قطعة مقدسة، بل قطعة مرغوبة وتصلح للمشروع الاستعماري، كما كان وجود الدولة الجديدة يخدم مصالح القوى الاستعمارية الكبرى التي كانت تتحكم بمصائر الكوكب حتى ذلك الوقت. وعليه فالقصة عادة إنتاج لمشروع استعماري أوروبي صرف. 
التحول تم بعد العام 1967، حيث تم استحضار المقدس من أجل مواصلة سرقة ما تم احتلاله بعد الحرب أي الضفة الغربية. كان لا بد من استعادة التوراة وحكاياتها من أجل تشجيع المستعمرين أن يبنوا مستعمرات في الضفة الغربية. وتم إضفاء حكايات وأساطير وخرافات واهية على مواقع إسلامية ومسيحية عربية حتى تصبح مهوّدة. فقبر الرجل الصالح يوسف الذي توفي في القرن التاسع عشر هو قبر النبي يوسف، في مفارقة تنافي حتى أكاذيب التناخ ووادي علي صار «عيلي»، وتم تحوير اللغة حتى توافق الأصل، الأصل الفلسطيني الذي هو ملك لأصحاب الأرض. كان الروائي الأميركي الشهير هيرمان ميلفل أول من تنبه إلى غرابة بيوت المستعمرين الصهاينة عن أرض البلاد في واحدة من روائعه الأدبية في نهايات القرن التاسع عشر (كلاريل: قصيدة ورحلة حج إلى الأرض المقدسة). فكل شيء في مستعمراتهم غريب عن تفاصيل الأرض، فلا يشبهها. عموماً تم تقابل السماء والأرض بعد احتلال 1967 من أجل استكمال سرقة البلاد. 
في المقابل مثلاً، ولأن المشروع الاستعماري لم يرد غزة من البداية لأسباب إستراتيجية وديموغرافية، لم يأبه مثلاً إلى واحدة من أهم قصص التوراة حول صراع المستعمرين الأوائل العبرانيين مع السكان الفلسطينيين أصحاب الأرض، وهي القصة التي تحكي عن شمشون الجبار. الأسطورة التي انشغلت بها حتى هوليود. في غزة ثمة قبر لشمشون الجبار ومقام. البطل التوراتي لم تتوقف حتى عند قبره دبابات الجيش، ولم يعره المشروع الاستعماري أدني انتباه لأن غزة منذ البداية كانت خارج حسبة العصابات وقادة المشروع الاستعماري. بل إن إحدى المفارقات مثلاً: لماذا لم تواصل العصابات مذابحها وتواصل عملية التطهير العرقي في قطاع غزة؟ بل حين تم احتلال غزة مع سيناء بعد العدوان الثلاثي انسحبت منه إسرائيل، وكان يمكن لها أن تنسحب من سيناء فقط. ما اقترحه أن الأمر لا علاقة له بالمقدس ولا بالسماء بل بتطلعات استعمارية وخطط مدروسة تسعى لحماية المشروع الاستعماري. يتم استعارة المجاز واستجلاب المخيال من متون الكتب المقدسة وقت الحاجة.  

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز