عن الاتحاد الأوروبي وحقوق الإنسان

  • الأربعاء 2020-07-29 - الساعة 09:01
بقلم: عبد الغني سلامة

يدور جدل واسع حول مدى التزام الاتحاد الأوروبي بمبادئ حقوق الإنسان، تحديداً تجاه قضية اللاجئين والمهاجرين، وأرى أنه من غير المنصف تعميم رأي واحد إزاء هذه القضية المهمة، إذ يمكن تشخيص مواقف عديدة ومتباينة من داخل الاتحاد، على المستويين الرسمي والشعبي.

على المستوى الرسمي سنجد أن دولاً عديدة فتحت أبوابها للاجئين، واستقبلتهم بشكل جيد، وأمنت لهم شروط إقامة لائقة (ألمانيا، السويد، وغيرهما)، في حين أغلقت دول أخرى حدودها أمام اللاجئين، وامتنعت عن استقبالهم، خاصة الدول الحدودية مثل اليونان وإيطاليا، فيما تتشدد حكومات أخرى في مناهضتها للمهاجرين واللاجئين، مثل: بولندا والمجر والنمسا.

على المستوى الشعبي، شاهدنا أهالي ومؤسسات مدنية تحسن استقبال اللاجئين، وتقدم لهم المساعدات، وتتبرع لهم بمواد إغاثية، مقابل حالات من التعصب العنصري وجرائم الكراهية العنيفة في العديد من دول الاتحاد، مثل الضرب، والاعتداء على محجبات، مع أنها حالات محدودة، إلا أنها آخذة بالازدياد.

دول أوروبية عديدة (السويد، سويسرا، هولندا، الدنمارك، ألمانيا، وغيرها) بعد أن يصل اللاجئون إلى أراضيها، تمنح كل عائلة منزلاً بأثاث كامل، وراتباً، وتبدأ معهم بسياسة الدمج، والتي تتضمن تعلم اللغة، والثقافة الأوروبية، وتأمين عمل، والالتحاق بالمدارس. في هولندا مثلاً يطلب من العائلة مشاهدة أفلام تتضمن مشاهد إباحية، كخطوة لتقبل ثقافة البلد.

لكن تقارير عديدة كشفت عن حالات انتهاك لحقوق الإنسان في عدد من دول الاتحاد، وهذه الانتهاكات تبدأ قبل وصول اللاجئين، حيث رصدت تقارير صحافية حالات إغراق متعمدة لسفن اللاجئين في عرض البحر، خاصة قرب إيطاليا ومالطا، أو تلكؤ وتباطؤ في إنقاذهم، وتقدر تلك التقارير أعداد اللاجئين الذي لقوا مصرعهم غرقاً في البحر المتوسط بعشرات الآلاف. في العام 2017 وصلت نسبة المتوفين من المهاجرين قبل وصولهم إلى 1 لكل 18.

وفي موقف غريب جداً، وافقت خمس دول (فنلندا، وفرنسا، وألمانيا، ولوكسمبورغ، والبرتغال) على استقبال أعداد محددة من الأطفال المهاجرين العالقين في اليونان، شريطة أن يكون الأطفال وحدهم، غير مصحوبين بولي أمر، أو في وضع صحي سيئ للغاية. وهذا يعني بوجه ما استغلال سوء أوضاع الأهالي واختطاف أطفالهم منهم.

كما كشفت تقارير أخرى عن سوء أوضاع اللاجئين، في معظم دول الاتحاد، حيث تقتضي سياسات تلك الدول وضعهم في مخيمات مغلقة لفترات طويلة، قد تمتد لسنوات، قبل استيفاء شروط قبول دمجهم في المجتمع، ومنحهم الإقامة الدائمة، في تلك المعسكرات يعيش اللاجئون ظروفاً مهينة، وقاسية، ولا إنسانية.

بعض اللاجئين (في إيطاليا مثلاً) يضطرون للعمل في مزارع، يتلقون رواتب ضئيلة، ويتكدس العشرات منهم في أكواخ حقيرة، ضمن ظروف غير صحية، ولا تليق بالبشر، بما يشبه العبودية، وسط إهمال وتغافل الجهات الحكومية عن أوضاعهم، أو تواطؤها مع مشغليهم، الأمر الذي يعطي انطباعاً بأن حديث الاتحاد الأوروبي عن حقوق الإنسان مجرد دعاية.

تلك السياسات والممارسات مرفوضة ومدانة، وتكشف زيف الشعارات الأوروبية المتعلقة بحقوق الإنسان، أو انتقائيتها وهشاشتها، ولكن، قبل إدانة أوروبا، لنتذكر المعطيات التالية:

مأساة اللاجئين بدأت أصلاً في بلدانهم، في سورية (وهي المصدّر الأكبر للاجئين) يتشارك النظام وجماعات المعارضة المسلحة مسؤولية مأساة الشعب السوري، التي دفعت الملايين منهم للهجرة، وفي العديد من دول أفريقيا وآسيا، خاصة أفغانستان، تتحمل الحكومات الفاسدة والاستبدادية مسؤولية تدهور أوضاع بلدانهم، لدرجة دفعت الناس للهروب من ذلك الجحيم إلى الفردوس الموهوم.

قبل وصول اللاجئين حدود أوروبا، تتآمر عليهم عصابات الاتجار بالبشر، وسماسرة التهريب، تبيعهم الوهم، وتعرّض حياتهم لأخطار جسيمة، وعند وصولهم دول شمال إفريقيا، خاصة ليبيا، يتعرضون لقمع شديد، ويحتجزون في معازل تشبه سجون التعذيب، ضمن ظروف مهينة وبالغة القسوة.

في تركيا، تقارير عديدة تناولت انتهاكات فظيعة بحق اللاجئين، خاصة السوريين، حيث يستخدمهم النظام ورقة ضغط ومساومة مع أوروبا، وتضحي بهم ككبش فداء لأغراض سياسية.

وفي حين استقبلت دول عربية فقيرة أعداداً هائلة من اللاجئين (الأردن، لبنان.. سورية استقبلت قبل الأزمة ملايين العراقيين)، امتنعت الدول الغنية، خاصة دول الخليج، عن استقبال حتى ولو لاجئ واحد.

وفيما يتعلق بالعنصرية والإسلاموفوبيا، والعنف ضد المهاجرين في أوروبا، لنتذكر العمليات الإرهابية التي أودت بحياة مدنيين في عدد من المدن الأوروبية، تلك العمليات ساهمت في تعزيز قوة ونفوذ الأحزاب اليمينية الشعبوية المناهضة للمهاجرين، فضلاً عن الممارسات الشاذة وغير الأخلاقية لعدد محدود من المهاجرين واللاجئين المسلمين، التي أساءت لصورة اللاجئ، بل وإلى صورة الإسلام نفسه.. فضلاً عن ممارسات ممنهجة لبعض الحركات الإسلامية، التي أقامت مناطقها الخاصة، وبدأت تنادي بالحرب على ما أسمتهم الصليبيين والكفرة، أو بمحاولة فرض أيديولوجيتها المتزمتة على المجتمعات الأوروبية التي تعيش وسطها، الأمر الذي أثار قلق الأوروبيين على مستقبلهم، وعلى أنماط المعيشة العلمانية التي ارتضوها لأنفسهم.

وقبل ذلك، لنتذكر أن المجتمعات العربية من بين أكثر المجتمعات في العالم ممارسةً للعنصرية، وتلك العنصرية لا تقتصر على الغرباء والأجانب والسود، بل تشمل عنصرية في أوساط الشعب الواحد، ونجدها على المستوى الرسمي من خلال قوانين الإقامة، وعلى المستوى الشعبي بأشكال عديدة.

ولا يقتصر الأمر على العنصرية، بل وفي ازدواجية المعايير، فمثلاً ندين ممارسات دول أوروبية تجاه المسلمين، تحت حجة «الإسلاموفوبيا»، وندين سياساتها في منع الآذان، أو في الشروط التعجيزية لبناء مساجد، ولكن لنتذكر نظرتنا للطوائف والأديان الأخرى، ولنتذكر أن بناء كنيسة جديدة في معظم البلدان العربية أمر يقترب من المستحيل، وإذا ما تم سنجد اعتراضات شعبية تصل للعنف أحياناً.

وإذا كانت الدول الأوروبية تضع شروطاً صعبة وشاقة قبل منح اللاجئ حق الإقامة أو الجنسية، فإن أغلب الدول العربية تضع شروطاً أشد وأصعب تجاه المقيمين فيها من جنسيات عربية أخرى، أو حتى لمجرد عبور أراضيها.

ولا شك أن اللاجئين يعيشون محنة كبيرة، ويتعرضون لمأساة حقيقية، وتلك المأساة نتحمل جميعاً مسؤوليتها، وسندفع ثمنها غالياً في المستقبل. صحيح أن حقوقهم كانت منتهكة في أوطانهم، لكن ذلك كله لا يبرر انتهاكها في أوروبا وغيرها، ولا يعفي الأوروبيين من مسؤولياتهم، ولكن لنتذكر قول الإمام الشافعي:

لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ، فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز