رحلة في غانا

  • الأربعاء 2020-05-27 - الساعة 12:54
بقلم: عبد الغني سلامة

تقع غانا شمال خط الاستواء، على خليج غينيا، مساحتها 238 ألف كم2، وتعداد سكانها يربو على 27 مليون نسمة.. احتلها البرتغاليون، وأطلقوا عليها اسم ساحل الذهب، ثم استولى عليها الهولنديون، واستقلت عام 1957.
حسناً، هذا ليس درساً في الجغرافيا لذكر مزيد من المعلومات، ولا هي رحلة سياحية لتعداد أجمل الأماكن التي تستحق الزيارة.. مع أنها بلد سياحي، وشعبها مضياف، لكنها رحلة إلى مواقع البؤس، التي جعلتها من بين أفقر البلدان الأفريقية، مع أنه من المفترض أن تكون واحدة من أغنى دول العالم، لما تتمتع به من خيرات وموارد طبيعية، ومنها النفط، والمعادن.
في سلسلة أفلام وثائقية، عرضتها قناة  ألمانية، صورت فيها جوانب متعددة من معاناة المواطنين، وكدّهم المثير للإعجاب (والحزن) لقاء حصولهم على قوتهم اليومي.. نتابع رحلة زراعة وحصاد وبيع محصول الكاكاو، وهو محصول إستراتيجي يدخل في صناعة الشوكولاتة، والعديد من أنواع الحلويات.. وتعتبر غانا ثاني أكبر مصدر في قائمة الدول المنتجة للكاكاو (بعد ساحل العاج).. ومثل هذه السلعة الحيوية تكفي لإنتاج اقتصاد ضخم، وتحويل أي دولة منتجة لها إلى دولة فاحشة الثراء.
يبدأ مشوار الكاكاو في أعماق الغابات المطيرة، حيث يكد المزارعون منذ ساعات الصباح، وحتى آخر النهار، في أجواء رطبة وحارة، ليجمعوا بذور الكاكاو، ويصنفوها حسب الجودة، ويعبئوها في أكياس يزن الواحد منها 30 كغم، ثم يحملوها على أكتافهم لأميال عدة، للوصول إلى مراكز التصدير، ثم ينقلوها على دراجاتهم البخارية المتهالكة ليقطعوا عشرات الأميال الأخرى، في طرق وعرة، تملؤها الحفر والمطبات، وما لا حصر له من المخاطر الأخرى، كاللصوص، والضواري، والأفاعي، واحتمالات تعطل إحدى الدراجات، حيث حينها يضطرون للانتظار لحين إصلاحها، وتقاسم تكاليف الإصلاح فيما بيهم.. ليصلوا إلى السمسار الذي سيعاين البضاعة أولاً، ثم يحدد السعر، ويمنحهم لقاءها بضع دولارات، يعودون بها إلى بيوتهم فرحين، بعد أن أمّنوا عشاء أولادهم تلك الليلة.
لكن المرحلة التالية من رحلة الكاكاو ذات وجه مختلف كلياً؛ طبيعة الناس من طبقة مختلفة، ملابسهم نظيفة، ومكاتبهم أنيقة، والأسعار تبدأ بالارتفاع من سمسار إلى آخر.. وفي مرحلتها الأخيرة تتحول إلى شوكولاتة فاخرة، بأرباح تفوق كثيراً عن تلك التي جناها من زرعها وقطفها ونقلها.. حتى أنها ستكون ذات تأثير بالغ الأهمية في اقتصاد الدولة المصنعة.
مثلاً بلجيكا، والتي تعادل مساحتها نحو عُشر مساحة غانا، ولا توجد بها شجرة كاكاو واحدة، تعد المصدر الأول للشوكولاتة الخام في العالم، حيث تنتج منها 700 ألف طن سنوياً، تمثل نحو 17% من صادراتها، بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار.. بينما يبلغ إجمالي مبيعات شركة "مارس" الأميركية نحو 30 مليار دولار سنوياً.. في حين لا يوجد في غانا مصنع شوكولاتة واحد، لا بل إن شوارعها (باستثناء العاصمة) غير معبدة.
في مشهد آخر، يتسابق عشرات الصيادين على الوصول بمراكبهم البدائية إلى مراعي الأسماك، يصارعون الأمواج العاتية، والرياح، والشمس الحارقة، ليملؤوا شباكهم بأسماك نحيلة، إذ بدأت الأسماك الكبيرة في الهروب إلى المياه العميقة والبعيدة.. يعودون إلى الشاطئ بعد رحلة شاقة، حيث تنتظرهم عشرات النسوة، اللواتي استيقظن منذ الفجر، ليشترين ما صاده الرجال، وبعد مساومات مضنية يملأن سلالهن، ثم يجففن الأسماك بالملح، بما يضمن حفظها لأسبوع، على أمل بيعها إلى فقراء آخرين، ليؤمن الجميع عشاءهم مما جاد عليهم البحر.
ولحسن الحظ، فإن سواحل غانا غنية بالملح، لكن استخراجه عملية شاقة ومضنية، تختص بها النساء، يعبئن الأكياس بمجاريف صغيرة، حتى تتشقق أياديهن وأقدامهن الحافية، ويبدون مثل مرضى الجذام. ومثل عمليات بيع السمك، تبدأ المساومات على سعر الملح، وكلها أسعار زهيدة، يتداولها فقراء، ليقدموا نتاج تعبهم إلى السماسرة، والتجار الكبار.
في المشهد الرابع، تظهر مساحات شاسعة مزروعة بالبندورة، فيما يتعاون الرجال والنساء على قطافها، وجمعها، وتعبئتها في صناديق، ثم نقلها في شاحنات قديمة، تسير على طرق غير ممهدة، محفوفة بالمخاطر، لتصل إلى الأسواق، حيث تنتظر المزارعين خيبات الأمل، فالسعر بالكاد يغطي مصاريف القطف والنقل، وأحياناً لا يغطيها، فبسبب بركات اتفاقية التجارة الدولية، غُمرت أسواق غانا بأجود أنواع البندورة القادمة من مزارع الصين وأوروبا وأميركا.. الأمر الذي دفع بمئات المزارعين على تخريب مزارعهم وتركها، ما أدى إلى إغلاق كافة مصانع رب البندورة في البلاد.
أمام هذا البؤس والعذاب، اضطر آلاف الغانيين إلى الهجرة.. ظنوا أن أوروبا جنتهم الموعودة، فقطعوا الصحراء الكبرى من جنوبها إلى شمالها، ثم عبروا البحر المتوسط.. وطبعاً تساقط معظمهم على الطريق، إما تائهاً في الصحراء، أو معتقلاً في معسكرات اللاجئين في ليبيا والمغرب، أو غارقاً في جوف البحر.. ومن يصل، سيجد نفسه مجبراً على العمل في ظروف أشبه بالعبودية، وعلى السكن في أكواخ لا تتوفر فيها أدنى شروط الإنسانية.. مقابل دولارات قليلة يرسلها إلى أهله، علها تصلح من أمرهم قليلاً.
ورغم كل هذا الفقر والشقاء، للغانيين تقليد غريب في التعايش معه؛ تقليد وجدوا فيه العزاء والسلوى.. فحسب معتقدهم الديني السعادة في الآخرة، ومن يمت يذهب فوراً إلى الجنة، لذلك، فإن جنازاتهم لا تشبه أي جنازة أخرى في العالم.. إذا كان الميت طالباً أو متعلماً، يلبسونه أفخر ثيابه، ويجلسونه على مقعد أمام طاولة نظيفة، وإذا كان شاباً يسندونه وقوفاً، وإذا كان عجوزاً يمددونه على فراشه.. ويبدؤون بالطواف من حوله، والتكلم معه، وتوديعه بالرقص والغناء والأهازيج وقرع الطبول، في أجواء فرحة مبهجة، لأن الميت يجب أن يصل جنته وهو في غاية السعادة.  
ما يحدث في غانا، يحدث في معظم أفريقيا، ومعظم الدول العربية، وإن اختلفت بعض التفاصيل.. الجوهر واحد.. نظام رأسمالي متوحش، يتربع على عرشه أساطين المال في الدول الاستعمارية (أو التي كانت استعمارية)، وأسفل منهم يأتي السماسرة، وفي القاع يأتي المزارعون والعمال والكادحون. 
والجانب الثاني من الصورة: دول ضعيفة تحكمها أنظمة فاسدة، تسمح للدول الإمبريالية بنهب خيراتها.. وهذا الوضع مستمر منذ بداية الحقبة الكولونيالية، وما زال النهب مستمراً حتى اللحظة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز