هل نجحت تجربة التعليم عن بُعد؟

  • الثلاثاء 2020-05-19 - الساعة 09:08
بقلم: مهند عبد الحميد

التعليم عن بعد ‏هو أحد طرق التعليم الحديثة، ويعتمد مفهومه الأساسي على وجود المتعلم والمتعلمة خارج مكان ثابت كالمدرسة والجامعة والمعهد. ويعتمد مجموعة برامج تعليمية تناسب نمط حياة الطلبة وتقدم للمتعلمين حيثما وجدوا، يعتمد التعليم عن بعد على استخدام جهاز الكومبيوتر وشبكات الإنترنت والاتصال التي من المفترض توفرها. وعلى تقنيات حديثة لإيصال المعلومات، وعلى نظريات تعلم متلائمة مع هذا اللون من التعليم. ولا شك ان التعليم عن بعد يختلف كثيرا عن التعليم الوجاهي التقليدي.

 الى جانب امتلاك الشروط السابقة يحتاج التعليم عن بعد الى دراية كاملة بكيفية تنظيم الوقت بما في ذلك مستوى المشاركة المطلوبة والفترة الزمنية لإنجاز الأهداف. لذا فإنه يحتاج الى تخطيط خاص يتفادى وجود مواد مكدسة تؤدي الى تشتت التلاميذ والتلميذات. ويحتاج الى تصميم دورة التعليم عن بعد بما يتناسب مع بيئة التعليم الإلكتروني للحيلولة دون الدخول في حالة من التوتر والإرباك والتشتت الذي يشكل نقيضا للتركيز والإنجاز. ويمكن استخدام أنواع من الموسيقى وأنواع من الصور التحفيزية لخلق أجواء مشجعة تساعد على بناء ثقة في التعليم الجديد. والتعليم عن بعد يحتاج الى إنشاء بيئة إلكترونية مواتية وثقافة تعلم، تعزز مفهوم الطالب الذي ينهل العلم ويستمر في التعلم مدى الحياة. فضلاً عن إنشاء منتديات حوار ونقاش حول قضايا وموضوعات هامة وكذلك معالجة المخاوف.

ما سبق يضع مقومات أساسية لا يمكن القفز عنها للانتقال من التعليم الوجاهي التقليدي في المدرسة او الجامعة والمعاهد الى التعليم الالكتروني عن بعد. بما في ذلك الجمع بينهما في مرحلة معينة في كل ما يتصل بالمعلومات والتحديث العلمي. لا يمكن إحداث النقلة بمعزل عن توفير البنية التحتية التي تتكون من أجهزة كمبيوتر واتصال ومهارة التعامل معها، وامتلاك اللغات التي تساعد في فهم البرمجيات والدخول على شبكات وبنوك المعلومات من مصادرها الأصلية. ويضاف الى ذلك اكتساب مهارات التفكير والتواصل وما يستدعيه ذلك من تجاوز القيود المتنوعة التي تحاصر العقل وتكبح او تشل طاقاته. ويرتبط استخدام تقنيات الحداثة الرقمية في التطور الفردي والجمعي، بحرية التفكير والسؤال وبالانفتاح على الثقافات الإنسانية والفلسفة والعلوم الإنسانية والمكتشفات العلمية بدون قيود. الموضوع الذي لا يقل أهمية هو المناهج التعليمية وخاصة التي تعتمد الحفظ (التعليم البنكي) والتي تعاني من اختلالات لها علاقة بتقييد العقل، والقراءة المجتزأه للتاريخ، هذه المناهج لا تصلح للتعليم الإلكتروني من زاوية المحتوى والمخرجات التي تقدمها للمجتمع. فاستمرار الحفظ لا يناسب بتاتاً التعليم عن بعد. من المفترض ان يعتمد الطلبة على مجموعة من مصادر المعلومات بالاستناد للإنترنت والمكتبات والكتب المقرة في كتابة أبحاث والإجابة عن أسئلة وتحليل مفاهيم، فضلاً عن استيعاب الواقع والظواهر، وتوظيف العلوم في الابتكارات الى آخر المنظومة. الاعتماد على ايداع معلومات واسترجاعها في الامتحان سيدفع جزءاً لا يستهان به من الطلبة الى جمع المعلومات من عديد المصادر المتاحة بطريقة (كوبي بيست) ويتحول الامتحان الى عملية استبدال الحفظ بالنسخ بدون فهم وبمعزل عن وظيفة العلم والتعليم. ما يؤدي عملياً الى الهبوط بالمستوى التعليمي الى الادنى. أما اذا جرى اعتماد التعليم التحرري الحداثي فلا مشكلة في استخدام مصادر المعلومات بما في ذلك الاستعانة بالكتاب المدرسي كأحد مصادر البحث او المشروع والمسائل المنوي حلها. حتى في قوانين الرياضيات والعلوم يمكن فهم النظريات والقوانين العلمية والفلسفة وفرضياتها والتاريخ والعلوم الإنسانية، وليس حفظها، وقد يؤدي فهمها والاقتناع بأهميتها وممارستها في التطبيق الى حفظها، على سبيل المثال يضع الموسيقي نوتة أمامه من أجل تسلسل النغمات على السلم الموسيقي، النوتة هنا وسيلة والنغم غاية، كما تحفظ اللغة كحاجة للتفاعل والتعلم والعمل، وكما يحفظ الشعر والأغنية للمتعة ورفع الذائقة. إذاً، ما يهم حل المسائل وتوظيفها ابتكارياً لتلبية احتياجات المجتمع في مجالات التصنيع والأدوية والزراعة والطب والبناء. قال لي صديقي الذي يدرس في الجامعة انه وضع أسئلة لامتحان طلبته تعتمد على الفهم، وقال لهم استعينوا بالكتاب إذا أردتم، غضب الطلبة الذين كانوا يحفظون الدروس، بعضهم ألقى الكتاب في سلة النفايات وبكوا، ولم يستطع معظمهم الخروج من آفة الحفظ. أثناء جائحة كورونا التي ما زلنا نعيش فصولها ونخضع لاختباراتها في مختلف المجالات وفي مقدمة ذلك التعليم وتجربة التعليم عن بعد. بهذا المجال هناك فرق بين الانتقال الى التعليم عن بعد ( التعليم الإلكتروني) في سياق تطور العملية التعليمية بكل حلقاتها (المناهج الحديثة او جودة المحتوى التعليمي المقدم، وسياسات التعليم العصرية، وتأهيل المعلمين والمعلمات واعتماد اجهزة الكمبيوتر والبرامج الإلكترونية، وإزالة قيود العقل، والانتقال من التمركز حول المعلم الى التمركز حول الطالب ....) وبين الانتقال الفجائي للتعليم عن بعد كحالة طوارئ وبدون مقدمات او تدريب. نحن انتقلنا للتعليم عن بعد في إطار الطوارئ سواء في التعليم المدرسي، او التعليم الجامعي، وكانت الفكرة من وراء ذلك هو الحفاظ على نوع من التعليم مهما كان بسيطا، والحيلولة دون المراوحة في المكان بصفر تعليم. كانت المحاولة افضل من صفر. الجامعات كانت أكثر جهوزية إذا ما قورنت بالمدارس، وقد نجحت الجامعات في عدم خسارة الفصل الأخير، بمقياس مهني كان نجاحاً فاشلاً اذا جرى إخضاعه للمعايير وللتجربة، أما المدارس فلم تتمكن من فعل ذلك وستعتمد المواد التي جرى تدريسها ما قبل الجائحة. هذا ما قررته وزارة التربية والتعليم.

على ضوء التجربة، اصبح التعليم الإلكتروني من اهم التحديات التي تواجه المجتمع الفلسطيني، فقد فتحت حالة الطوارئ والجائحة الباب على هذا النوع من التعليم ولا يمكن إغلاقه. كما لا يمكن الانتقال إليه بالتسويات الانتقائية والارتجال ولا بإسقاط الرغبات كما هو حال التعليم الوجاهي. إذا أردنا إحداث نقلة مهمة فهذا يحتاج إلى ردم الاختلالات القائمة في التعليم التقليدي المحافظ، بما في ذلك تغيير البنية القديمة او كما يقول المثل إن الزيت الجديد يحتاج الى جرار جديدة.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز