القدس والقمة الاسلامية وموقف غير قابل للتأجيل

  • السبت 2012-08-11 - الساعة 10:44

 

 
بقلم:احمد قريع "ابو العلاء"
 
 في أول إطلالة لي من على هذا المنبر المرموق منبر جريدة الوطن، اشعر بمسؤولية مضاعفة حيال أمانة الكلمة التي تنوء بحملها الجبال الراسيات، فمن جهة أولى أجد نفسي أخاطب مباشرة، رأياً عاماً سعودياً يتصف بالفطنة وبعد النظر والحكمة، ومن جهة أخرى اعرض لقضية احسب أن قداستها عند الأشقاء في بلاد الحرمين الشريفين، لا تقل عن قداستها عما هي لدى الأهل والأبناء في بلد المسجد الأقصى المبارك وعند باقي المسلمين في العالم كله.
 
ويزيد من عظمة مسؤولية الكلمة هذه، أنها تخص القدس، وتتعلق بما آل إليه حال القبلة الأولى للمسلمين، في هذا الطور من حياة امة تهفو قلوب الملايين من أبنائها كل طالع نهار، إلى مسرى رسولها الأعظم، الذي بارك بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وذلك دون أن تحظى مدينتنا العربية الإسلامية الخالدة (مدينة القدس)، بما تستحقه من دعم ورعاية واهتمام، لا سيما وهي تتعرض في هذه الآونة إلى خطر ماحق يهدد هويتها، ويسلب روحها ويدمر ارثها الحضاري المشترك لكل بني الإنسان.
 
وعليه، فأنني أجد أنها فرصة طيبة كي أخاطب – من موقع مسؤوليتي على رأس دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية –الإخوة الأعزاء في المملكة، فرصة ثمينة أود اغتنامها لإيضاح بعض جوانب الموقف الذي تمر به القدس، وتبيان قدر يسير من الأوضاع المؤلمة التي يرزح تحت نيرها المقدسون الصامدون في وجه التعسف والظلم، الصابرون على ما يتعرضون له من هجمة استئصاليه، وسط حالة اقرب ما تكون إلى إدارة الظهر من جانب الإخوة والأشقاء في المحيط الشعبي الواسع.
 
وإنها لمناسبة طيبة حقا أن أتمكن من مخاطبة أشقائنا السعوديين، ومن خلفهم الشعوب العربية والاسلامية والنخب السياسية والفكرية في العالم العربي والإسلامي، عشية هذه الدعوة المباركة من خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبدالله بن عبد العزيز، لعقد مؤتمر قمة إسلامي طارئ في هذه الرحاب الطاهرة، بعد أيام معدودة، لعلنا نسهم في إضاءة واقع مدينة القدس، ونشد الأبصار نحو هذه المدينة التي تواجه أعتى عدوان وأشرس حملة تهويد وضم، التي ظل خادم الحرمين الشريفين يوليها جل عنايته الكريمة، بأقل الكلام وأجزل الأفعال التي عودنا عليها جلالته طوال الوقت.
 
وليس لدي ادني شك في أن المخاطبين بهذه الكلمة، يعلمون علم اليقين كل تلك الوقائع الخطيرة والانتهاكات المستمرة، والتحديات المحدقة بحاضر مدينة القدس وبمستقبلها، ويعون في الوقت ذاته عواقب كل هذه الممارسات الاحتلالية، والأفعال المنهجية المنظمة التي تواصل إسرائيل القيام بها جهاراً نهاراً لتهويد بيت المقدس، وتقويض أساسات المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، لاسرلة المدينة وتهويدها، ومن ثم إقامة الهيكل المزعوم مكانه في واحدة من أقدس البقاع الإسلامية.
 
وهكذا كانت استباحة عدد من قطعان المستوطنين لساحات المسجد الأقصى المبارك مؤخراً، جرياً على مسلك استفزازي اختطه آرئيل شارون أواخر العام 2000، وتكرر في العديد من المناسبات الدينية اليهودية المتباعدة، ثم بات بمثابة عمل منهجي في الآونة الأخيرة، ترعاه الدولة المحتلة ويحميه جيش الاحتلال الاسرائيلي، و تقارفه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، دون أدنى تحسب لأي ردة فعل من وزن ما كانت عليه ردة الفعل الفلسطينية الأولى، حين اشتعلت تلك الاستباحة العدوانية شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وحين تنادى العالم الإسلامي في حينه إلى تخصيص صندوق لدعم صمود المقدسيين وآخر لحماية المسجد الأقصى المبارك.
 
وأمام حالة صمت شبه مطلق، إزاء هذه الارتكابات الإسرائيلية المتمادية، وضآلة ردود الأفعال الشعبية والرسمية على مثل هذه الاستفزازات الاحتلالية الوقحة، تبدو مدينة القدس، بعد أن تكسرت النصال الأمريكية على النصال الإسرائيلية فوق جسدها المثخن بالجروح الغائرة ،وكأنها خارج دائرة الاهتمام والتغطية العربية والإسلامية، حيث لم تعد جروحها الراعفة ولا أوجاعها المقيمة جيلاً بعد جيل، تؤلم أحداً من الإخوة الأقربين، حتى لا نقول الفلسطينيين أنفسهم، وذلك بعد أن بحّت حناجر المقدسيين طلباً للغوث، وذهبت تحذيراتهم مما يتربص بهم من أخطار داهمة أدراج الرياح العاصفة.
 
ولا أودأن تكون هذه الإطلالة لي من على منبر صحيفة \\\'الوطن\\\' المرموقة، مناسبة لجلد الذات، ولا لتقريع الآخرين أو حتى لومهم على شدة الإهمال وطول الإعراض عما تتعرض له القدس عموماً والمسجد الأقصى على وجه الخصوص، من مخطط تهويد شامل وأسرلة وقحة لمعالم المدينة المقدسة، ومن برامج عملية قائمة على رؤوس الأشهاد لعزل هذه المدينة التي تقع موقع القلب من فلسطين عن محيطها وحصارها بجدار الفصل العنصري وتهجير سكانها خارج الأسوار العنصرية،لإخراج القدس من جدول أعمال كل تسوية سياسية محتملة، وحسم أمرها سلفاً.
 
ومع أن المجال هنا لا يتسع لاستعراض المراحل التطبيقية المفصلة من الإستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى، لتغيير هوية القدس، واستبدال واقعها العمراني والديمغرافي، وعزلها عن محيطها الجغرافي، وكسر روح أبنائها المتشبثين بها،إلا انه يكفي للدلالة على ما آل إليه حال المدينة المقدسة، الإشارة فقط إلى ما يجري في قلبها ويتسارع في محيطها، من عمليات استيطانية واسعة لا سابق لها طوال العقود الطويلة الماضية، حيث سبق لدائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية أن عرضت لتفاصيلها في عدد من الكتب والكراسات والمنشورات والمواقع الالكترونية.
 
إذ تبدو إسرائيل خلال هذه المرحلة في سباق مع الزمن، حتى لا نقول أنها في سباق مع نفسها، لاغتنام ما ترى انه لحظة تاريخية ذهبية، توفرت لها على حين غرة, عندما اندلع الربيع العربي وانصرفت الاهتمامات، كل الاهتمامات الإقليمية والدولية نحو مطارح أكثر سخونة في المنطقة العربية، وبات الإقليم الشرق أوسطي على عتبة انفجار واسع قد يحدث في أي لحظة، سواء فيما يتعلق بالوضع السوري أو في مسألة الملف النووي الإيراني، أو في غير ذلك من الأزمات السكانية.
 
وعليه، فإننا قد نجد بعض العذر، ونبدي الكثير من التفهم لموقف الأشقاء العرب والإخوة المسلمين، وهم يواصلون انهماكهم الشديد في متابعة مآلات هذه المرحلة التأسيسية من حياة الأمة كلها، إلا أننا لا نستطيع أن نعذر الجميع على إدارة الظهر بالكامل، وأن نغض البصر تماماً عما يحيق بمدينة القدس وأبنائها من مخاطر جد بليغة، دون ايلاء محنة المقدسيين المتقلبين بين النار والرمضاء أدنى التفاتة من جانب من يرون بحق أن القدس لا تخص الفلسطينيين فقط، وإنما العرب والمسلمين كافة.
 
واسمح لنفسي، بصفتي احد أبناء القدس، ومسؤول ملفها في منظمة التحرير الفلسطينية، أن اغتنم هذه الفرصة السانحة، لمخاطبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، لوضع قضية القدس والمسجد الأقصى المبارك، وما يتعرضا له من مخاطر ومن تهديد، على جدول أعمال القمة الإسلاميلتوجيه تحذير قوي لدولة الاحتلال الإسرائيلي وللمجتمع الدولي من مخاطر وتداعيات ما تتعرض له المدينة المقدسة، ولتجديد الدعم الذي أقرته مؤتمرات القمة الإسلامية السابقة وإيصالها للقدس وللمقدسيين، وتفعيل قرار القمة الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة عام 2006، برئاسة خادم الحرمين الشريفين لجباية دولار واحد من كل مسلم، يخصص لإنشاء \\\'صندوق وقفية القدس\\\' برعاية خادم الحرمين الشريفين ولوضع الآليات العملية لتحقيق ذلك مع الدول الإسلامية الشقيقة.
 
عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية
 
رئيس دائرة شؤون القدس
 
 
نقلا عن أمد للاعلام 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز