مَنْ فعلها في رفح؟ ولماذا؟

  • السبت 2012-08-11 - الساعة 10:31

 

بقلم : عصام نعمان

لتخمينات كثيرة، لكن أصابع الاتهام تشير، بلا يقين، إلى أن أحد تنظيمات الإسلام الجهادي في غزة هو من نفذ عملية رفح . “إسرائيل” لها رأيٌ مغاير، فبحسب تقديرات أجهزتها الأمنية، فإن منفذي العملية هم بدو سيناء “الذين يبدون الآن الأكثر قرباً من المنظمات السلفية مقابل المال والسلاح” . اللافت أن صحيفة “معاريف” كشفت أن الرسائل “الإسرائيلية” إلى مصر في الفترة الأخيرة، أكدت أن لحركة “حماس” ضلعاً في العملية “لأنه لو أرادت، فهي تعرف كيف تفرض نفوذها وتقمع المنظمات المارقة . إنها لا تقوم بذلك لأنها تستخدم هذه المنظمات أداةً غير مباشرة لتوجيه هجمات ضد “إسرائيل” في سيناء” . قبل كل هذه الاتهامات، كان مسؤولون في “حماس” و”الإخوان المسلمين” في مصر قد اتهموا “الموساد” بأنه وراء العملية الوحشية . لكن، إزاء تضارب التكهنات والاتهامات، صرح الناطق باسم الرئاسة المصرية ياسر علي أن المعلومات المتوافرة عن مرتكبي الهجوم “ليست كاملة أو دقيقة”، رافضاً الجزم بمشاركة فلسطينيين في العملية .

 

إذا كان تحديد هوية مرتكبي العملية صعباً بالنسبة إلى المحققين الأمنيين، فإن تحديد المسؤولية عنها لم يكن صعباً بالنسبة إلى جمهور مشيّعي جثامين الضباط والجنود المغدورين . فقد وجّه المشيعون، ومعظمهم كان من أنصار الحزب الوطني المنحل، هتافات نابية بحق الرئيس محمد مرسي، الغائب عن الجنازة، وبحق جماعة “الإخوان المسلمين”، كما لم يوفروا رئيس الوزراء هشام قنديل إذ رشقوا موكبه بالأحذية والحجارة . اللافت والغريب حقاً أن تبادر وسائل إعلام وشخصيات مصرية، غداة عملية رفح، إلى شن حملة تحريض غير مسبوقة ضد الفلسطينيين، بل إن بعضها قام بتهديد سكان قطاع غزة وحركة “حماس” بعواقب وخيمة مع أن أجهزة الأمن بالكاد بدأت تحقيقاتها . ذلك حمل القيادي في “حماس” محمود الزهار على انتقاد وسائل الإعلام والشخصيات المتورطة في حملة التحريض، معتبراً أن الاحتلال والإعلام الفاسد هما المستفيدان من الهجوم” . الأغرب من ذلك كله، مبادرة السلطات الأمنية المصرية إلى إغلاق، وقيل هدم، الأنفاق مع قطاع غزة، ما يؤدي إلى وقف “تهريب” الناس من القطاع وإليه، فضلاً عن نقل الأغذية والوقود . غير أن هذا التدبير سرعان ما أثار الجمهور المصري المناهض للصهيونية وللتطبيع مع “إسرائيل”، فتظاهر المئات منه أمام مقر إقامة السفير “الإسرائيلي” في القاهرة مطالبين بطرده .

 

الرئيس مرسي مُحرَج جداً، فالحدث جلل وذيوله خطرة، والشعب المصري معادٍ ل”إسرائيل” ومناهض لمعاهدة السلام معها . “حماس” ولدت من رحم “الإخوان المسلمين”، ولا يهون على مرسي وأركان حزبه أن تُتهم بالمشاركة في جريمة ضد مصر لا علاقة لها البتة بها . كما لا يهون على مرسي أن يُستدرج إلى تشديد الحصار على قطاع غزة الذي كان الرئيس المخلوع حسني مبارك قد ساعد “إسرائيل” على إحكام قبضتها عليه . مرسي مُحرج أيضاً من تردي الحال الأمنية في سيناء، إذ يجد نفسه مضطراً إلى مراعاة المجلس العسكري الذي يرتاب الإخوان المسلمون بسياسته ومواقفه من قطاع غزة . إزاء ذلك كله، ينهض سؤال: ما الدافع إلى عملية رفح؟ وما الغاية المتوخاة منها؟ الإجابة عن السؤال صعبة، لأن مصر، بحسب تصريح رئيس جهاز المخابرات العامة السابق اللواء مراد موافي لوكالة “الأناضول”، “كانت لديها معلومات بوقوع الحادث الإجرامي في رفح والعناصر المشتركة فيه”، ولم تفعل شيئاً للحؤول دون تنفيذه . ولأنه لا يعقل أن يكون المدخل إلى ضرب “إسرائيل” قتل جنود مصريين صائمين على مائدة إفطارهم، ولأن فتح معبر كرم أبو سالم لا يمكن إجراؤه بمجرد وضع اليد على مدرعة أو مدرعتين والتوجه بهما لاقتحام المعبر، إذ بمقدور “إسرائيل” تدميرهما، كما فعلت تماماً، بسرعة متناهية . ولأن الأَولى بالمهاجمين الضغط، بدايةً، على مصر لفتح معبر رفح على مصراعيه، نهاراً وليلاً، ليتم عبره نقل وانتقال الأشخاص والسلع والمواد الغذائية . ولذلك يُجمع محللون سياسيون على أن “إسرائيل” هي المستفيد الوحيد من عملية رفح الوحشية، ويتساءلون عمّا تكون الغاية من ورائها؟ هل هي الضغط على مصر من أجل فرض سيطرتها الأمنية على سيناء التي باتت تعجّ بمجموعات مختلفة، بعضها معادٍ ل”إسرائيل”، وبعضها الآخر منهمك بأعمال تهريب الأشخاص والمخدرات والسلاح؟ محللون سياسيون آخرون لا يستبعدون أن تكون أجهزة المخابرات المصرية قد غضت النظر عن نشاط التنظيمات “الإرهابية” في سيناء من أجل استغلال عملياتها لفتح ملف تعديل معاهدة السلام مع “إسرائيل” في إطار أمني ليس إلاّ . والمقصود بذلك إدخال قوات مصرية بأعداد وفيرة وبأسلحة ثقيلة إلى المنطقة “ج” المحاذية لحدود مصر مع فلسطين المحتلة، للعمل على فرض السيطرة الأمنية على المنطقة التي تنطلق منها العمليات “الإرهابية” والتهريب إلى “إسرائيل” . من المعلوم أنه سبق لـ  “إسرائيل” أن “أجازت” لمصر، في أعقاب تفجير الأنبوب الذي يوفر لها الغاز المصري، زيادة عديد قواتها في المنطقة “ج” لفرض الأمن، لذلك لا يستدعي الأمر إجراء عمليات إرهابية “نوعية” من عيار عملية رفح الأخيرة لإقناع “إسرائيل” بإجازة زيادة إضافية في عديد القوات المصرية في المنطقة الحدودية . الدليل أن مصر قامت مؤخراً باستخدام سلاح الجو لضرب تجمع ل “الإرهابيين” في المنطقة “ج”، مع أن نشاط الطيران الحربي محظور بحسب المعاهدة . ذلك حمل بعض المحللين على الاعتقاد أن ثمة “خريطة طريق” جرى التفاهم بشأنها بين أجهزة المخابرات في كلتا الدولتين، بعلم الرئيس مرسي أو من دون علمه، تقود إلى مقاربة مسألة معاهدة السلام في إطار أمني استراتيجي جوهره مواجهة تنظيمات الإسلام الجهادي المعادية ل “إسرائيل” كما لمصر . من شأن هذه المقاربة، في رأي دعاتها، تنفيس الضغوط الهادفة إلى إلغاء معاهدة السلام والاستعاضة عن ذلك بالعمل الثنائي الوثيق، لمواجهة عدو مشترك هو الإسلام الجهادي العالمي المتهمة تنظيماته العاملة في دنيا العرب بأنها إرهابية . لكن، ماذا عن “حماس” و”الجهاد الإسلامي”؟ ماذا عن قطاع غزة وسط الحصار “الإسرائيلي” المضروب عليه؟ هل ستثابر “إسرائيل” على اعتبار منظمات المقاومة في فلسطين ولبنان (وسيناء؟) تشكيلات “إرهابية” تستوجب الملاحقة والتدمير أو أنها ستعيد النظر بهذا التوصيف في إطار سياسة مغايرة قوامها الاعتراف بها كمدخل لتحريك “حل الدولتين” المقبول من النظام العربي الرسمي؟

 

أسئلة يصعب على مصر، في وضعها الحالي الشديد الاضطراب، كما على غيرها من دول العرب المضطربة، أن تجيب عنها بضمير وطني صافٍ، وبما يخدم المصالح الوطنية والعربية العليا .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز