عن صعود أميركا

  • الإثنين 2019-12-02 - الساعة 09:12
بقلم: عاطف أبو سيف

ربما من ناحية تاريخية، شكّل صعود الولايات المتحدة إلى المكانة الأولى في العالم انزياحاً مهماً في مركز الحضارات، خاصة حين تأتي دولة صاعدة من حقبة ما بعد الثورة الصناعية لتقود العالم وتنفرد بصدارته. ومع هذا فإن هذا الانزياح شكّل انتكاسة حقيقية في منظومة القيم الكبرى التي رافقت صعود وهبوط الحضارات في العالم. بل إن مفهوم حضارة بحد ذاته كان بحاجة لمراجعة لارتباطه أكثر بالقيم المادية في العصر الأميركي من ارتكازه على الأخلاق والأسئلة المرافقة لها. الولايات المتحدة الأميركية التي هي بطريقة أو بأخرى نتاج الحقبة الاستعمارية والتمدد الكولونيالي للقوى الغربية تجاه العالم الجديد كما كان يتمدد نحو الجنوب والشرق، نجحت خلال أقل من قرنين من الزمن في الصعود إلى مصاف القوى الكبرى في عالم كانت أرضه السابقة وشعوبه السابقة ضحيتها. وبانتقالة يصعب القول إنها مفاجئة، تم طي قانون مورنو الشهير الذي وسم السياسة الخارجية للبيت الأبيض لعقود وبدأت الولايات الصاعدة بالتدخل في شؤون الجيران والقارات البعيدة. كان مبدأ الحياد الذي صاغة السياسي الأميركي الشهير مورنو لا يعمل على عزلة أميركا ولا يهدف لذلك ولكن يبتعد بالدولة الصاعدة عن مشاكل الكون المعقدة حتى يتم بناء الأمة بالشكل الذي تحدثت عنه أدبيات فلادلفيا وكتابات كبار مبدعي النثر والشعر والسياسية في أميركا. وفي لحظة فارقة من عمر التاريخ المعاصر، تحديداً خلال الحرب العالمية الأولى، تم طي المبدأ وتم فتح صفحة جديدة تعتمد على الغرق في المشاكل وبعد ذلك جاء المحافظون الجدد ليطورا ذلك إلى صناعة المشاكل.
حتى حين أطلق الرئيس الأميركي ولسون نقاطه الأربع عشرة لم تقف الولايات المتحدة إلى جانب هذه النقاط ونأت بنفسها جانباً. لقد كان هذا الموقف وسيظل التلخيص الأمثل لعلاقة واشنطن مع العالم، العلاقة القائمة على حق البيت الأبيض بعدم التوقيع على أي اتفاقية أو معاهدة لا يرى فيها مصلحة القوة الجديدة أو تحدّ من قدرته في التدخل في شؤون العالم حتى لو وقع عليها كل العالم. الأمر يتكرر دائماً في الكثير من المعاهدات والاتفاقيات، وربما تكون واشنطن أكثر دولة لا توقع على معاهدات واتفاقيات باتت محط إجماع أغلب دول العالم ومع هذا تظل الدولة الأكثر حديثاً عن القانون الدولي الذي تنتهكه بشكل  مستمر. ومع انتقال واشنطن من قوة عظمى إلى قوة قصوى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وتجاوز قوتها لكل القوى الموجودة، تغير المزاج العام لفلسفة العمل الخارجي الأميركي. صاحب هذا كما أشرنا سابقاً انزياح على مستوى الوعي والتفكير كان للبحث والكتابة دور كبير في التأسيس له. ويمكن بمراجعة الفكر السياسي الأميركي وما رافق الكتابات الأولى عنه والتي أبرزت افتتان كبار الفلاسفة الأوروبيين بالتجربة الأميركية في القرن التاسع عشر، مثل كتاب توكفيل ذائع الصيت "الديمقراطية في أميركا"، يمكن الوقوف على الدور الذي عبر عنه الفكر في أو كيف، ربما، تم استخدام الفكر والبحث الأكاديمي في تبرير التحولات في السياسة الخارجية. وربما لم تخدم الأكاديميا في أي مكان في العالم سياسات دولتها كما خدمت الجامعات ومراكز البحث التابعة لها سياسات واشنطن. ارتبط هذا التحول في العقود الأخيرة بشكل بارز بارتباط المؤسسة البحثية بسياسات المحافظين الجدد وفلسفة التدخل من أجل النفط.
وربما مؤلف ودعوات هنتغتون حول صراع الحضارات، الذي شكل جوهر السعي الجديد نحو التدخل في شؤون الدول الأخرى تحت ذرائع مختلفة، يظل تذكاراً يجب دائماً العودة له من أجل فهم الانزياح الممنهج في السياسة الأميركية. كان يجب صناعة العدو حتى تتم مهاجمته ليس لأن العدو يشكل تهديداً حقيقياً ولكن لأن القوة تستوجب وجود خصم يتم القضاء عليه وعليه تم تطويع القانون الدولي وفرض تشريعات تحت ذرائع مثل التدخل الإنساني وحماية الشعوب من اضطهاد الأنظمة والدولة الآيلة للسقوط وما إلى ذلك. وفق هذا التفكير تم ضرب أفغانستان وبعد ذلك غزو العراق. وأيضاً تلقين أوروبا الشرقية دروساً قاسية تفرض على الأنظمة الجديدة التي صعدت بعد سقوط النظم الشيوعية السابقة أن تسعى من أجل تأمين رضا واشنطن عن سياساتها ليست الداخلية فحسب، بل أيضاً الخارجية. وقبل كل شيء المالية وفق التعديلات الهيكلية التي فرضها خبراء مؤسسات بريتون وودز في صندوق النقد والبنك الدولي. وعليه فإن فهم التحولات في السياسة الأميركية يجب أن يكون عبر تفكيك المراحل المختلفة مع إدراك أن هذه التحولات تعكس تحولات على مستوى الوعي والتنظير ساهمت فيه الأكاديميا الأميركية بشكل كبير عبر برامجها وأبحاثها الممولة في جزء كبير منها من خزينة الدولة.
ثمة الكثير الذي يمكن أن يقال عن هذا، خاصة كيف تم إنشاء أقسام العلوم السياسية في الجامعات الأميركية وفق هيكلية وزارة الخارجية الأميركية، وكيف تمت تسمية هذه الأقسام وفق تصورات الوزارة عن العالم. وللمفارقة باتت هذا التشكيلات الجغرافية موضع تعريف سكان العالم عن أنفسهم. فالشرق الأوسط هو شرق أوسط بالنسبة لواشنطن لأن ثمة شرقاً أدني وشرقاً أقصى، كما أن أميركا اللاتينية هي لاتينية لتميزها عن أميركا الأنجلوسكسونية وليست جنوبية كنا هي بالنسبة لأوروبا.
أشياء كثيرة يجب التوقف عندها عند البحث في صعود القوة الأميركية، صعود ترافق أيضاً في هيمنة على الثقافة الكونية الشعبية، وهذا ديدن القوى العظمى عبر العصور. ولا بد دائماً من النظر إلى ما تشكله الثقافة في مسيرة صعود الشعوب والقوة وعدم الاستخفاف بهذا الدور بوصفه نتيجة وسبباً في نفس الوقت. وبالنظر إلى تمظهرات القوة الأميركية وصورة أميركا في الفيلم الأميركي يمكن أن يكشف الكثير حول ذلك ويكون مؤشراً خالصاً حول الكثير مما أشارت له المقالة، وهذا بحاجة لاستفاضة جديدة ربما في مقال آخر.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز