فلسطينيو 1948 وهذا العنف!

  • السبت 2019-11-09 - الساعة 12:59
بقلم: تحسين يقين

لم يعد مهماً التساؤل هل العنف في الداخل الفلسطيني صار ظاهرة بقدر ما هو سؤال أخلاقي وإنساني ووطني، يستحق الفعل.
وهو عنف، ونزاعات، تأتي جميعا في سياق المجتمع الفلسطيني كمجتمع عربي، يتأثر بالتحولات الكبرى فيه وفي العالم. لكن الذي يثير التساؤل الملح هو تزايد حالات العنف وأثر ذلك على على السلم الأهلي، الذي يشكل صمّام الأمان للمجتمع الفلسطيني داخل أراضي 1948، في ظل تعامل الدولة مع هذا أفراد المجتمع، كأقلية أصلانية، كمواطنين من الدرجة الثانية، والذي يقترن مع رفضهم لمنظومات تلك الدولة الكولينيالية، في الوعي واللاوعي.
وجدتني أنتقل للمحور الأخير، حيث بدأت بقراءته، ليس زهدا ببقية محاور تقرير مدار الاستراتيجي2019  حول المشهد الإسرائيلي للعام  2018 بل لأتعرف على ما جدّ خلال العام السابق، خصوصا ونحن نشهد ازداد العنف. وهكذا رحت متشوقا أقرأ، وأتذكر التقرير السابق، حيث عدت لأقرأ ما كتبت أيضا.
ربط المحور بين قانون القومية ومستجدات الانتخابات بنوعيها المحلية والبرلمانية، مرورا بأزمة الفلسطينيون الدروز، وقانون قومية الدولة، وتأثير القانون على الفلسطينيين عموماً وليس على فلسطينيي عام 1948، وكيف «على الفلسطينيين ان يبحثوا عن حق تقرير المصير في مكان آخر على وجه الارض».. حتى وصلت البند الثالث في الفصل: العنف والقتل ضد النساء العربيات، وما أمكن من تفسير تتعلق ببنية المجتمع التقليدية حول أدوار الرجل والمرأة، إضافة لدور العامل السياسي الاجتماعي كونهم اقلية اصلانية تعاني سياسة التهميش المتعمد، كذلك استهتار الشرطة بشكاوى المرأة. في هذا السياق تم التعرض للعنف والتهديد الذي صاحب الانتخابات المحلية.
وبالطبع فإن الحديث السابق هو جزء من حديث عن المشهد السياسي والحزبي والاقتصادي والأمني والعسكري والعلاقات الدولة لإسرائيل، واللافت للنظر في تقرير مدار الأخير هو أن الصفحات المتعلق بالفلسطينيين داخل 1948 قد زادت، حيث كانت مقتضبة في التقرير السابق.
أصبح الموضوع أكثر إغراء للباحثين، وأتوقع أن يتم تخصيص جزء أكبر في العام القادم، لما لذلك علاقة بجمل وتفاصيل كل ما يجري هنا؛ حيث أن عين الإسرائيليين تجاه الحلول السياسية أصلا مركزة على الداخل كما هي العين الأخرى مركزة على فلسطينيي عام 1967.
فما أهمله البناؤون على اختلاف جنسياتهم صار حجر الأساس؛ فما جعله مؤتمر هرتسليا في أكثر من دورة من فلسطينيي الداخل أكبر خطر استراتيجي على إسرائي، سيظل حاضرا.
عودة إلى محور الفلسطينيين في الداخل، وأخص العنف العام والعنف ضد النساء، الذي للأسف يتزايد.
لو عدنا للتقرير السابق، سنجده يتطرق لقضية مهمة، لا تتعلق بمجتمع الفلسطينيين داخل فلسطين عام 1948، بل  ينطبق على المجتمع العربي في عديد الدول، حين أشار بشجاعة وجرأة إلى «سياسة السلطة الإسرائيلية الحاكمة، الآخذة في التبلور والتي تقوم على الاحتواء الاقتصادي للنخب، مقابل مواجهة سياسية مفتوحة مع النخب السياسية والأحزاب، وتصعيد في عنف الشرطة والتحريض على المواطنين الفلسطينيين، وتواطؤ سلبي غير مكتوب، وغير واضح المعالم، مع الجريمة المنظمة داخل المجتمع الفلسطيني»، وطالبنا وقتها بتحصين المجتمع الفلسطيني، لما للثقافة والتعليم من أهمية في الارتقاء بالفكر والسلوك، ومواجهة العنف والمخدرات..».
هنا يكمن جزء من الداء والدواء، فبالرغم من التفسير التقليدي المتعلق بالثقافة السائدة والكولينيالية، إلا أن التفسير الاقتصادي بشكل خاص، لعله هو الأقدر على الدفع نحو التخفيف فعلا من ظاهرة العنف.
نعم، إنني أقصد العدالة الاجتماعية، أي العدالة الاقتصادية بشكل أكثر وضوحا، وهناك دور للباحثين لتحليل الواقع الاقتصادي للفلسطينيين في الداخل، بينهم وبين أنفسهم أولا، ثم التموضع تجاه الاقتصاد الكولينيالي.
قلنا في افتتاح المقال أنه لم يعد مهما التساؤل هل العنف في الداخل الفلسطيني صار ظاهرة بقدر ما هو سؤال أخلاقي وإنساني ووطني، يستحق الفعل.
وهنا نقول أن القيادات في الداخل بنخبها المختلفة عليها مسؤوليات تجاه ما يحدث، لا استجابة لهموم وحاجات المواطنين، ولا طلبا لخلاصهم الجمعي، بل لعله استجابة لبقاء تلك النخب نفسها.
نعم، إن خلاص النخب وبقاءها يرتبط فعلا بما تفعله للجماهير، وإلا فلن تطول مشروعية تمثيلها، حيث سيتشظى الصوت العربي، أو سيخف أكثر عدد المصوتين.
ليس اكتشافا الإشارة إلى الدور السلبي للفجوات الاقتصادية على السلم الأهلي والتوترات داخل الأسر، الذي يضاف لما هو واقع وتاريخي، اجتماعيا وكولينياليا.
إن العنف الاجتماعي والأسري، والعنف ضد النساء والأطفال، هو من تجليات التوتر الاقتصادي-النفسي، وليس هناك ضمانة الا يتجاوز ذلك إلى مزيد من النزاعات الاجتماعية والسياسية أيضا؛ حيث سجد الجمهور نفسه يصب غضبه على القيادات والنخب، كونها قيادات حاكمة ولو على المستوى المحلي، ولربما يمتد أيضا ذلك نحو رموز الدولة، حيث يمكن الوصول الى ظروف جديدة يصعب السيطرة عليها، ولأنها ستكون آنية، ولكن غير مضمونة النتائج. البديل حلول ذكية لدعم العدالة داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.
نحتاج للحفر بعيدا عن السطح قريبا من الجذور لتشخيص الحالة بدقة، بعيدا عن الأهواء والمصالح، باتجاه تقوية البقاء، والذي هو أولا وأخيرا بقاء واحد، ينبغي للفلسطينيين جميعا دعمه.
لذلك، فإن بحث الوضع الاقتصادي للجمهور الفلسطيني في الداخل، من قبل النخب والقيادات وليس فقط من قبل الباحثين، سيشكل بداية ضرورية للحد من العنف العام، والعنف ضد النساء.

هناك حاجة لما يأتي:
- التفكير الجدي بجسر الفجوات الاقتصادية بين المواطنين والنخب بشكل خاص، لأن الخلاص جمعي لا فرديا.
- تقوية الثقافة الفلسطينية العربية ليس المتوقعة على نفسها، بل تلك الإنسانية المنفتحة على العالم، لأنها قادرة على التأثير.
- التركيز على تحقيق الحقوق السياسية والمدنية، من أجل تقوية البقاء الإبداعي، ونشر الوعي خصوصا باتجاه المشاركة في الانتخابات ليصل المشاركون الى نسبة كبرى، تصبح فاعلة وتزداد مع الأيام، مع زيادة نسبة الفلسطينيين من سكان إسرائيل.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز