ساحتان في قلب المدينة .. وساحة البلد!

  • الثلاثاء 2019-11-05 - الساعة 09:41
بقلم: حسن البطل

سأمرق، اليوم عصراً، من الساحة ثلاثية الأسماء، لأعرف هل ضبضبوا الكراسي، ورفعوا خيمة الاعتصام، وأنزلوا يافطات تناشد السلطة صرف رواتب أسرى محرّرين؟
منذ شهرين، أرخَت تعليمات صرف الرواتب حزام التقشف، وهذا الشهر وسعت الحزام أكثر، ولكنها منذ شدّت الحزام بعد أزمة مستردات المقاصة، أبقت رواتب الأسرى المعتقلين خارج حزام التقشف. قبل أزمة الرواتب وخلالها لم تنقطع وقفات وتظاهرات ومسيرات التضامن مع الأسرى، ولن تنقطع بعدها.
كان لتلك الساحة اسمان متداولان: «ساحة الساعة» و»ساحة المهاجرين» ثم أضيف إليهما اسم «ميدان عرفات».. وتبقى تلك القرنة، تحت مبنى «البنك الوطني» ساحة اعتصامات مختلفة ومفتوحة، خاصة للأسرى المعتقلين والمحرّرين، وتدوم أياماً على مدار الساعة.
للساحة المجاورة اسم واحد هو «ساحة المنارة» ولها كذلك قرنتها تحت شجرات النخل الست، وهي لتجمع المظاهرات وانطلاقها في الشارع، أو لإحياء المناسبات الوطنية، والتضامن مع انتفاضات شعوب الدول العربية، خاصة في سنوات «الربيع العربي» الأولى!
ساحتان متقاربتان في مركز المدينة، كأنهما مثل أذين وبطين قلبها، وأحياناً تصدح فيهما حفلات فرح موسيقية، أو تتكللان بالأنوار في المناسبات الدينية، مثل شجرة الميلاد في الساحة ثلاثية الأسماء.
الساحتان خضعتا لتعديلات في الشكل وحركة سير السيارات، خاصة مطلع السلطة الوطنية، ثم استقرت ساحة المنارة على شكلها القديم مع الأسود الأربعة، وتغيّرت تصاميم الساحة الثانية، واستبدلوا النصب القديم إلى آخر شاهق يعلوه علم وطني ومجسّم لمواطن يتسلق السارية كأنه هو من سيرفع العلم المرفوع.
شاركتُ مرات كثيرة في اعتصامات قرنتي الساحتين، جلوساً في خيمات الاعتصام تضامناً مع الأسرى في قرنة ساحة/ ميدان عرفات، وكذا في احتجاجات ووقفات التضامن في قرنة ساحة المنارة.
أذكر، بالذات، مرّة كانت في مناسبة مرور نصف قرن على النكبة الوطنية عام 1998، حيث تحت النخلات الست ألقى عرفات خطابه الوحيد في الساحة، كما تحدث أيضاً محمود درويش، وبعدها ذهبتُ إلى مسقط رأسي طيرة حيفا!
قرأتُ أن الحبيب بورقيبة وقف في ذات المكان، في يوم من العام 1964، وطالب الجمهور بقبول ما صار يُدعى، لاحقاً، بـ «حل الدولتين» وفق مبدأ بورقيبي «خذ وطالب» ما استفز الجمهور المطالب بتحرير فلسطين وقومية الحرب وتحقيق حق العودة.
لم يكن، إلاّ في الغيب، أن بورقيبة سيجتاز في عربة مكشوفة مع عرفات شوارع العاصمة تونس، بعد خروج بيروت 1982، وربما كان في بال عرفات، عندما خطب في الساحة في يوم يوبيل النكبة أنه سيخطب فيها معلناً قيام الدولة الفلسطينية المستقلة فعلاً، وعلى ارض الواقع، بعد خطابه عن إعلان إقامتها في قصر الصنوبر الجزائري عام 1988.
في العام 1995 خرج جيش الاحتلال من مدينة رام الله، وفي العام 2002 عاد إلى احتلالها العابر وبقية مدن المنطقة (أ) السلطوية السيادية.
لكن، ساحة المنارة بقيت ساحة حشود تحتفل بإحياء أيام انطلاقة حركة «فتح»، واندلاع الانتفاضة، وكل ذكرى سنوية للنكبة الوطنية، وفي الأعياد الدينية تشعشع بالأنوار الخطّافة، وتبقى فوضى سير السابلة والسيارات في الساحتين هي كما هي.
يقولون إن أصل البلاء في إعلان مبادئ أوسلو أنه كان اعتراف منظمة بدولة، واعتراف دولة إسرائيل بالمنظمة لا بدولة فلسطينية. هذا صحيح، لكن هناك شيئاً آخر، هو كان على إسرائيل إطلاق سراح سائر السجناء السياسيين، وأسرى النضال الفلسطيني في مرحلة ما قبل الاعتراف المتبادل.. ولكن المنقوص!
الساحتان المتقاربتان في قلب المدينة ستظلان في مكانهما في قلب المدينة، لكن صارت هناك ساحات كثيرة، أرحبها ساحة المناضل نيلسون مانديلا في طرف المدينة، وأجملها ساحة كريم خلف في الطريق إلى متحف درويش، حيث تضم عناصرها علماً يرفعه مواطن، ونباتات وزهورا، وتشكيلا حجريا وماء، وأكثرها نشوزاً ساحة أو مستديرة أول بيتونيا ومجسّم فيها من الفيبرجلاس لثمار ضخمة، ثم بعد رفعه وضعوا مجسّماً لقبة الصخرة يحجب رؤية حركة السير المقابلة.. ورفعوه!
***
هذا الشهر أو الذي يليه قد تنتظم سلة صرف الرواتب، ويذهب الأسرى المحرّرون إلى آلات الصرف أمام البنوك، وهذا الشهر تبدو الانتخابات في الأفق وإن ليس في اليد بعد، بعدما كانت وراء أفق المصالحة.
سأقتبس من المناضل الفتحاوي القديم، فاضل عاشور هذا «البوست»: «فتح ليست حزب بعث، ولا نريدها حزب بعث، ولا نريد من يصر على دفعها لتكون حزب بعث». لا أخاف على «فتح» من إسرائيل، ولا من التآمر العربي، ولا من الانشقاق. أخاف من غياب أصحاب الفكرة الفتحاوية عن المشهد الفتحاوي.
ومن «بوست» عماد الأصفر: «فتح إن فسدت هي فصيل فلسطيني، وغيرها وإن صلح فهو فصيل دخيل».
كم مرة سأكرر قولي: «فتح هي جبهة في مسمّى حركة». الم يقل عرفات في مؤتمر فتحاوي: «تموت فتح.. وتبقى فلسطين»؟

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز