أردوغان.. ''الأحمق العظيم'' ولكن المنتصر

  • السبت 2019-10-19 - الساعة 10:20
بقلم: عبد الناصر النجار

عدم الإقرار بالواقع أو تجاهله لا يعني عدم وجوده.. هذا ما حاولت غالبية وسائل الإعلام العربية التركيز عليه أمس، على أساس أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أذعن للأميركيين ووافق على وقف إطلاق النار في سورية تحت الضغط، لكن الواقع يقول عكس ذلك.

أردوغان الذي طالبه الرئيس الأميركي قبل أيام في رسالة بعيدة عن الأعراف الدبلوماسية في لغتها، بألا يكون أحمق.. عاد أمس، ليصفه في تغريدة بأنه رجل عظيم أنقذ حياة ملايين البشر.. وهو نفسه الذي أعلن تعليق الهجوم التركي لمدة عشرين ساعة لا تزيد دقيقة واحدة حتى تحقيق المطالب التركية، وهو أيضاً الذي أعلن للصحافة أنه ألقى رسالة ترامب في سلة المهملات، حيث اعتبرت تصريحاته حسب الصحافة الأميركية والإسرائيلية إهانة كبيرة لترامب.
الاتفاق التركي الأميركي الذي جاء بعد اجتماع مطول بين الرئيس أردوغان ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس، استمر أكثر من أربع ساعات، حصل فيه الأتراك عملياً على كل مطالبهم السابقة وربما أكثر من ذلك.
المكاسب التركية تمثلت في موافقة واشنطن على انسحاب المقاتلين الأكراد من منطقة طولها نحو 480 كيلو متراً بعمق 32 كيلو متراً، وهي مساحة شاسعة تقارب نصف مساحة فلسطين التاريخية، وهذا كان المطلب الرئيس لتركيا بعد تمدد المقاتلين الأكراد، ووصولهم إلى الحدود التركية.
الاتفاق شمل، أيضاً، تسليم الأكراد أسلحتهم الثقيلة خلال انسحابهم وتدمير جميع الثكنات والمواقع العسكرية الكردية.
هذه الشروط المعلنة، لكن ما بقي سراً ربما يكون أكبر من ذلك بكثير، فهناك قضايا أخرى تم الاتفاق عليها سراً، ولعل تأكيد بنس أن الاتفاق لا يشمل قضية «هال بنك» يدل على أن الأمر تعدى الهجوم ليشمل الوضع المستقبلي في سورية والاتفاق على قضايا إقليمية مشتركة.
ترامب من جهته، أكد فوراً أن العقوبات التي أعلن عنها لضرب الاقتصاد التركي منتهية؛ ما انعكس مباشرة على ارتفاع الأسهم التركية والليرة أمس.
أردوغان الذي يرى نفسه وريث الخلافة العثمانية يحاول منذ سنوات إحداث تحولات عميقة في المنطقة، والأراضي السورية كجزء أساسي من تطلعاته الإمبراطورية. وتركيا تعمل بشكل حثيث على إعادة صياغة المنطقة الآمنة ديمغرافياً بإعادة توطين أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري في هذه المنطقة، وهم من المؤيدين لتركيا والمتحالفين معها.. كما ستتولى القوات الموالية لأنقرة إدارة هذه المناطق بما يحقق المصالح التركية بعيد المدى.
أما بالنسبة للأكراد، فهم الخاسر الأكبر في هذه المعركة، وربما تكون هذه الضربة القاضية لهم، بعد فشل الاستفتاء في كردستان العراق.
الأكراد لم يتعلموا من الضربات السابقة، بل أصروا على أخطائهم وبالتالي تكرر فشلهم.
في بداية الأحداث السورية وقف الأكراد على الحياد، لكن بعد أن تدهورت الأوضاع ابتعدوا عن النظام السوري وتحالفوا مع واشنطن، وتصوروا من خلال الانتصارات التي حققوها أنهم قادرون على تشكيل شبه دولة مستقلة، وهذا ما كان، فتماهوا مع حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا إرهابياً وعدوها الأول، الأمر الذي جرهم إلى أتون المواجهة مع أنقرة، ما أوقع الأكراد في خطأ استراتيجي.
ارتكب المقاتلون خطأ فادحاً آخر تمثل في عمليات التطهير العرقي بحق العرب في المنطقة الواسعة التي سيطروا عليها، التي تقدر بثلث مساحة سورية، ومسحوا قرى كاملة عن وجه الأرض من أجل تشكيل مناطق كردية نقية، وغيرا المناهج وفرضوا اللغة  الكردية  في المدارس وبالتالي وقعوا في خطأ كبير آخر، عندما اعتقدوا أن المعركة انتهت وأن الغنائم يجيب جمعها قبل فوات الأوان، فكان حالهم كمن نزل عن الجبل قبل انتهاء المعركة.
خطا الأكراد الثالث لم يكن في سورية وإنما في العراق، وتمثل بتفاخرهم علناً بتحالفهم مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ففي كردستان العراق رفعت الأعلام الإسرائيلية خلال الاستفتاء؛ ما أعطى العراقيين مبرراً كافياً لوصف الاستفتاء الكردي بالخيانة للعراق والأمة العربية والإسلامية، وأدى إلى انتقادات لاذعة من الجماهير العربية مع أن الأكراد كانوا في غنى عن هذا التحالف الخاسر.
الأمر نفسه حدث في سورية، عندما أعلن البعض أن هناك علاقة مع إسرائيل وكأنها المدافعة عنهم وعن حقوق الإنسان.
الصحيح أن الكثير من الجماهير العربية دافعت عن حقوق الأكراد بالحكم الذاتي في إقليمهم والحفاظ على تراثهم وثقافتهم وخصوصاً من اليساريين والمثقفين العرب، وفي    الأيام الماضية كانت هناك أكثر من تظاهرة ووقفة عربية منددة بالهجوم التركي ودفاعاً عن حقوق الأكراد.
أما تحرك الأكراد نحو دمشق، فهو خطوة صحيحة وإن جاءت متأخرة كثيراً بعد مرارة الهزيمة وأكثر من ذلك.
على إخوتنا الأكراد تعلم الدرس والنظر بواقعية إلى ما يدور في المنطقة قبل أن يتلقوا ضربة قاضية ثالثة تؤخر تحقيق مطالبهم إلى عقود قادمة. وأن يتأكدوا أن كثيراً من العرب وخاصة الفلسطينيين مع مطالبهم العادلة ولكن بعيداً عن الاحتلال الإسرائيلي ورموزه.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز