'نبي الصمت في لحظتنا الثرثارة'

  • الثلاثاء 2019-10-08 - الساعة 11:35
بقلم: زياد خدّاش

(١)
تنادي على ابنتها من النافذة، يبتلع الضباب الصوت، البنت واقفة عند البوابة بانتظار باص المدرسة، تخرج الأم بسرعة تاركة باب منزلها مفتوحاً، عدّلت الأم تحت المطر طاقية ابنتها ثم عادت الى البيت، غادرت البنت المكان، عيون الأم ما زالت تراقبها، حزن غريب داهمني وأنا أراقب ما يجري، ما أروع أن يراقبنا آخرون أعزاء، ويخرجون مبللين، تاركين أبواب بيوتهم مفتوحة لأجل أن يعدّلوا طاقيات رؤوسنا الصوفية، حتى لا يصيبنا برد.
بعد خمسين عاما من البرد والباصات والمخيم، ما زالت طاقيتي الصوفية مائلة، فمن يعدّلها؟.
أشعر بالبرد يا أمي.
(٢)
تحرجني عيونه في الطريق، عيونه الوادعة، المقاتلة، الطفلة، الحزينة، وفيما بعد يعذبني  صدى خطواته في نفس الطريق، أغمغم له بمرحباً، ويسقط من يدي كتاب شعر، وتذوب من خجلها في يدي الأخرى (ربطة خبز) ثم  أشتم الشعر والكتب، وأهرب إلى عجوز تبيع (يقطيناً) بلدياً، أو إلى حديث سخيف مع صديق ابتكرته لتوي في الشارع، لماذا تحبنا الى هذا الحد يا عبد الرزاق؟ لماذا لا تغضب منا، لا تلومنا؟ يقتلني صمته، لا يقول (عبد الرزاق فراج) ابن مخيمي الجلزون أي شيء لأي أحد، هو فقط يبتسم للطريق وللذكريات وللمارة وللأصدقاء، ويمضي الى دورة اعتقال جديدة، لا يفصح هذا  المناضل، عن غضب أو بطولة أو يأس أو ألم، هو فقط يقول لنا وللبلاد: (أهلا) قوية وعنيدة وغامضة مثل معدته التي تقاتل الآن السجّان والطبيب القاتل والطعام معاً.
عبد الرزاق فراج: كل ماء الكون لعينيك، يا نبيّ الصمت في لحظتنا الثرثارة.
(٣)
صافحني كاتب هذه القصة أمس؛ صار شاباً طويلاً، في الجامعة.
قال لي: (اشتقت لخسوف بشري جديد يا استاذ).
 لم أفهم عما يتحدث، غمغمت له ببضع كلمات على سبيل المجاملة. بالصدفة ذكرني الفيس بوك بهذا النص. فأدركت عما يتحدث أمين.

كسوف الناس.

أمين  فايز ارشيد- الصف السابع.
كنت في البيت أحاول أن أنام، لم أستطع، فقررت الخروج إلى رام الله للتجول، كانت الساعة تقارب الثانية عشرة ليلاً، لم يكن هناك أحد، المحلات مفتوحة كلها ولا أحد، المقاهي، المشافي، البقالات، المطاعم، ولا أحد من الناس فيها.
اندهشت وخفت، دخلتُ محلاً للملابس، تناولت قميصاً أبيض، ووضعت ثمنه على الطاولة وخرجت، أين ذهب الناس!!! ولماذا أنا وحدي في المدينة؟ قررت العودة إلى البيت، كانت الساعة قد قاربت الثانية بعد منتصف الليل، وفجأة وأثناء عودتي مشياً، سمعت صوت سيارات وسمعت صوت شباب يضحكون خلفي، ورأيت أناساً يخرجون من المشفى وآخرين يقفلون محلاتهم ويعودون إلى بيوتهم.
سميت ما حدث كسوف الناس، ثم دخلت بيتي ونمت وأنا مرتاح جدا لتفسيري.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز