عن زيارة جنبلاط إلى القاهرة

  • الثلاثاء 2019-09-10 - الساعة 09:35
بقلم: عبير بشير

على عجل، قدم وليد جنبلاط  مداخلته في لقاء بعبدا الاقتصادي، بحضور رئيس الجمهورية ميشيل عون، وترك المجتمعين حتى يلتحق بطائرته المتجهة الى القاهرة، حيث التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي. في وقت يقع لبنان في دائرة أحداث أمنية ساخنة، منها الاعتداء الإسرائيلي على ضاحية بيروت، وقصف حزب الله لجيب عسكري إسرائيلي، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان،  والتي دفعت الدولة اللبنانية إلى إعلان «حالة طوارئ اقتصادية»، وإقرار خطة إصلاح مالي متوسطة المدى تمتد لـ 3 سنوات.
صحيح أن زيارة جنبلاط للقاهرة ليست الأولى، فالعلاقة التاريخية بين المحروسة والحزب الاشتراكي، تمتد لعقود، وقد أرساها كمال جنبلاط مع الزعيم المصري جمال عبد الناصر. وصحيح أن وليد جنبلاط أتى إلى مصر، لأهمية الدور المصري في حفظ التوازنات الإقليمية، وباعتبار الدور المصري مهما في حفظ استقرار لبنان، وفي لجم الاعتداءات الإسرائيلية، غير أن هذه الزيارة المفاجئة، تكتسب معنى في غاية الدلالة، فهي تأتي لتثبيت موقع الزعامة الجنبلاطية داخل الخريطة اللبنانية، وللتأكيد على العمق الإقليمي والعربي للمختارة، في محاولات خصوم جنبلاط- حزب الله، وجبران باسيل - كسر الحالة الجنبلاطية، وكسر موقع جنبلاط، المتداخل مع موقع الطائفة الدرزية في التركيبة المحلية والإقليمية، وامتداد الوجود الدرزي في سورية وفلسطين وخصوصا بعد أحداث قبر شمون، والتي حاول بها خصوم جنبلاط، محاصرة الزعامة الدرزية التي ما زالت تمسك بعصب بيئتها، وحصرية تمثيلها، وتتمتع بخاصية عابرة للطوائف، وقادرة على صياغة حالة وطنية، وقد ظهر ذلك جليا، في أعقاب استشهاد الرئيس رفيق الحريري، حين كان وليد جنبلاط عمود الخيمة لقوى الرابع عشر من آذار التي نجحت في إخراج سورية من لبنان.
وعند  انتقال «حزب الله « من التسوية الرئاسية التي أتت بميشيل عون، رئيسا للجمهورية اللبنانية، واضعا نصب عينيه، تحويل التسوية إلى حلقة جديدة من حلقات قضم الدولة اللبنانية، ووضع اليد عليها، إلى إقرار قانون الانتخابات، التي أظهرت نتائجه العملية، أنه لم يقدم نموذجا أفضل للحياة السياسية اللبنانية، فالنسبية التي دعا لها منظروها، على اعتبار أنها مفتاح للحفاظ على التعددية داخل الطائفة الواحدة، أدت إلى فرض التعدد على الجميع عدا بيئة حزب الله، والطائفة الشيعية، التي بقيت في معازل، ومقفلة بالسلاح ووهجه، في الوقت الذي وضع حزب الله يده على شريحة سنية، كانت تعتبر من حصة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري، وأخذ من حصة وليد جنبلاط، وتمثيله الحصري للطائفة الدرزية.
حينها شعر جنبلاط، بثقل القانون النسبي الجديد، والذي أفضى أن يكون شكل الحكومة اللبنانية، صدى للتغيرات الجديدة في الموازين السياسية. وبدأ يشعر بأن هناك محاولات حثيثة لتطويقه، وإضعافه داخل بيئته الدرزية.
ثم جاءت أحداث قبر شمون، لتصب النار على الزيت، من خلال افتعال اشتباك درزي درزي يؤدي إلى خلخلة جنبلاط، عبر التلويح بلعبة الدم الدرزي، في لحظة  حرجة- بسبب مرحلة انتقال الزعامة الدرزية من جنبلاط إلى نجله تيمور.
فمنذ اللحظة الأولى للحادثة، تعامل حزب الله مع حادثة قبر شمون بوصفها فرصة ثمينة، لاستكمال استنزاف جنبلاط وتطويعه، والقصاص منه، واستثمر نصر الله موقعه وتأثيره في دعم مطالب حليفه الدرزي طلال أرسلان لنقل ملف قبر شمون إلى المجلس العدلي. وخرج حسن نصر الله في خطابين شهيرين تحدث فيهما بانحياز مدهش لمطلب حليفه أرسلان.
تصدي نصر الله شخصياً لمعركة كسر وليد جنبلاط، لم تكن من فراغ، فالرجل متهم بمحاولة نزع الشرعية عن سلاح حزب الله، وهو الذي تحدث علنا عن عدم لبنانية مزارع شبعا، وصمت في وجه العقوبات الأميركية على حزب الله. وعن العلاقة الحالية بين «حزب الله» وجنبلاط يقول المتابعون لحركة الأول إقليمياً ودولياً ومحلياً، أن جنبلاط صار الآن في موقع مختلف عن موقف “الحزب” بل مناقضا له ومخالفا للتسوية التي قامت بينهما قبل سنوات. فهو وطائفته متأذيان من سلاح حزب الله الطائفي، وما يفرضه من معادلات ثقيلة على الساحة اللبنانية. في وقت يستند حزب الله إلى واقع لبناني جديد، بعد انتصار الحزب في سورية، وبقاء بشار الأسد، وقد ظهر ذلك، في حديث نصر الله، الذي ذكر من عادوه بأنه آن الأوان ليدركوا أن لا ماء سيسيل في المجرى، ولا جثث ستطفو على السطح بعد اليوم، فالحزب أنهى مهمته في سورية، وعاد منتصراً.
حول وليد جنبلاط معركة قبر شمون، من معركة لتحجيمه، إلى استعادة لحضوره الوطني، فأعاد نسج علاقاته مع حلفائه السابقين-سعد الحريري، نبيه بري، وسمير جعجع، في مواجهة باسيل وحزب الله. ولجأ إلى الاستثمار في تناقضات الطبقة السياسية اللبنانية المُربكة سياسياً واقتصادياً بسبب فشل عهد عون، والتلويح بأن الأزمة ستقضي على ما تبقى من فرص لمؤتمر سيدر الخاص بالمساعدات الدولية للاقتصاد اللبناني، وستتسبب في انهيار الليرة اللبنانية.
والأهم، حصول جنبلاط على الحماية المباشرة الأميركية والفرنسية له في الصراع الصعب مع حزب الله، والذي بدا جليا في صدور بيان السفارة الأميركية والتلويح ببيان مماثل عن الاتحاد الأوروبي. البيان الأميركي القصير، حذر من لعبة تسييس حادثة قبر شمون، ومن تأجيج النعرات الطائفية، ودعا إلى رفض أي محاولة لاستغلال أحداث القبر بهدف تعزيز أهداف سياسية، وإلى تحقيق مستقل وشفاف، ويعتقد الموالون اللبنانيون والخصوم، بأن دوره كان حاسماً، في انهاء حادثة قبر شمون.
فبعد أربعين يوماً من تعطيل مجلس الوزراء ورفع السقوف بوجه جنبلاط جرت مصالحة «بين القبائل اللبنانية» في القصر الجمهوري برعاية الرؤساء الثلاثة وحضور «الرئيس الرابع» وليد جنبلاط والأمير طلال أرسلان، على وقع البيان الأميركي الشهير. وبدت مصالحة بعبدا تنتمي إلى فقه العشائر، حيث يموت من يموت ثم يتبادل أولياء الدم القبل.
وحين استقدم لبنان خبيراً بلجيكياً في أعقاب الاستقلال لدراسة الواقع اللبناني آنذاك، جاء في تقريره: «كيف يمكن توحيد بلدٍ، الليمون فيه سني والتفاح ماروني والتبغ شيعي والخضار درزي، والزيتون أرثوذكسي والعنب كاثوليك!!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز