رقصة مجنونة غاب أستاذها!

  • الثلاثاء 2019-09-03 - الساعة 09:29
بقلم: زياد خداش

(رقصة أبي) قصةٌ مؤثرةٌ لا أدري أين قرأتها، عن بنت (من ذوي الاحتياجات الخاصة)، كان أبوها يعلّمها الرقص، مات أبوها فجأةً، لكن الرقصة لم تمت، صمّمت البنت على أن تكمل الرقصة وحدها بإيحاءٍ من شبح أبيها الذي يحوم حولها.
كم منّا أكمل أو بدأ رقصته بعد أن مات معلم رقصه؟ كم منّا واصل الطريق أو بدأها بعد أن اختفى قصاص أثره؟ 
لا يموت الآباء الدافئون وعظماء الكلام والصورة  الملهمون والأصدقاء الرائعون الغامضون، قصاصو الأثر، معلمو الرقص لا يموتون، إنهم يتوارون فقط، يراقبوننا من بعيد ويبتسمون، بحب يبتسمون، حتى ونحن نلوث من بعدهم جرار الضحك والعسل يبتسمون. حتى ونحن نركل الطريق ونهزأ بالأشجار والأطفال الذين شهدوا انفجارات الأحلام والرؤى الغريبة.
 أنا أيضاً، لديّ رقصتي المجنونة التي غاب أستاذها، لكنني لم أبدأها. صديقي سامي، أستاذي في علم الهاويات وجماليات الموت، مغامراً كان بإدهاش، كان يحب القفز عن المناطق العالية جداً، كان يحاول أن يدرّبني، ما زلت أرى يده المعلقة في الهواء على حافة مرتفع ترابي تنتظر يدي الميتة:( يلا يلا زياد كل اشي جواك مش برا، بس أنت سلم حالك لفكرة مقايضة سقوط جسمك بارتفاع روحك). يمسك يدي ويتابع: صدقني الهاوية الحقيقية داخلك، أما هذه الهاوية التي نقفز عنها، فما هي سوى صورة مخادعة عنها. لا هاويات في الخارج يا صديقي، لا هاويات. لم أقفز مرةً واحدةً، قفز هو مئات المرات. كنت اكتفي بالوقوف على الحافة مرتعدا. لقبني صديقي صالح  فيما بعد الرجل الذي يمشي بسرعة وتسيل من قدميه الحواف، حتى طلابي في ورشات الكتابة اكتشفوا ارتعادي من القفز وسموني همساً: المعلم الحوافي.
 في الأيام الأولى من الانتفاضة الأولى، قفز سامي داخل سيارة عسكرية احتلالية، ومات. حاولت بعده أن أقفز عن المرتفعات الخفيفة مثل سور خم دجاجات دار عمي في المخيم، هامساً لقلبي: (الهاوية هنا وليست هناك)، لكن دون جدوى. لم أبدأ رقصة معلمي وحبيب صباي، ما زال خارجي هو داخلي. ما زلت أحس بسامي حتى اللحظة متوارياً خلف سور ما، ينظر إليّ ويبتسم، حتى وأنا أخونه (مجددا  في أنواع رعبي) من ركوب الطائرات والمصاعد الزجاجية للعمارات العالية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز