إسراء غريب قرعت جدران الخزان

  • الثلاثاء 2019-09-03 - الساعة 09:28
بقلم: مهند عبد الحميد

«كلما ازداد ابتعاد المجتمع عن الحقيقة، ازدادت كراهيته لمن يتحدثون بالحقيقة» جورج أورويل. 
شكراً لوسائل التواصل الاجتماعي التي عرّفت الرأي العام بتفاصيل ما حدث من خلال الروايات المتداولة والموثقة، والأهم أنها قادت الى حوار واسع نسبياً حَوَّل جريمة قتل إسراء الى قضية رأي عام داخل فلسطين وفي العالم العربي، واستدعى مطالبة السلطة من قبل  مؤسسات دولية معنية بحقوق الإنسان التحقيق الجدي في الجريمة. لولا تدخل هذا النوع من الإعلام الحر لانتصرت رواية الذين ارتكبوا الجريمة، ولكان الظلم أفدح وأقسى وأكثر مرارة. ولا يوجد ما يبرر توقف الحوار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لطالما كان أداء جهات الاختصاص سلبياً وبائساً، وفي غياب الإعلام الذي لم يضع هذه القضية ضمن أولوياته عبر تحقيقات وقصص صحافية ومقابلات وتقارير إذاعية وتلفزيونية وورقية، وأقصى ما قامت به بعض الوسائل الإعلامية هو نقل ما تداوله المتحاورون في تغريداتهم وكتاباتهم على الفيسبوك والتويتر. ولا يبرر التعتيم الذي لا يزال البعض يطالب به، ظناً منه أن الفضائح المجتمعية تخدم الاحتلال الذي يتبنى مقولة أن الشعب الفلسطيني لا يستطيع حكم نفسه بنفسه. ليس النقد والاعتراف بالأخطاء والاختلالات هو الذي يخدم دعاية الاحتلال، بل التقصير والعجز والتبرير والدفاع والتغطية على التخلف هو الذي يفعل ذلك. كان النقد ولا يزال يؤسس لتماسك المجتمع ويعزز الأمل بالتطور والاستنهاض. التحرر من الاحتلال وثيق الصلة بالتحرر من التخلف والجهل والتزمت والظلم الاجتماعي والفساد والتمييز ضد نصف المجتمع. التحرران الوطني والاجتماعي لا ينفصلان عن بعضهما البعض، بل تحتل مهمة صيانة مناعة المجتمع في كل المجالات أولوية، لأن الحرية والعدالة والديمقراطية يصنعها أحرار ومتنورون.   
لماذا لم تتدخل الشرطة وأجهزة الأمن التي مهمتها قطع الطريق على الجريمة وحماية المواطن وإزالة الخطر الذي يتهدده؟ خلافاً لذلك كانت الشرطة في موقع الحاضر الغائب! سيما وان عناصر الأمن موجودون في المستشفيات الحكومية ويستطيع كل زائر او مريض مشاهدتهم. الشرطة لم تتدخل لحماية الشابة التي كانت تستنجد؟ ولا يوجد ما هو عكس ذلك. 
ولماذا لم تتدخل إدارة المستشفى لمنع العنف داخل المبنى، وللحيلولة دون إشاعة الخوف بين المرضى، وللحفاظ على رسالة المستشفى الإنسانية؟ من كان يمنعها من طلب الشرطة للتعامل مع الذين انتهكوا نظام المستشفى وحرمته؟ ولماذا سمحت بإخلاء المريضة قبل ان تتماثل للشفاء؟ ومن يقرر خروج مريضة من المستشفى مصابة بكسر في العمود الفقري ..أليس الأطباء؟ السؤال الأكثر حرجاً، لماذا امتنع طاقم التمريض وزوار المستشفى عن التدخل لمصلحة إنسانة تصرخ من شدة الألم جراء العنف الممارس ضدها؟  
ما حدث كشف عن اختلالات متنوعة وفادحة في مناعة المؤسسة والمجتمع الفلسطيني، بسبب منظومة القوانين السائدة، ومنهاج التعليم المعمول به،  وطغيان مدرسة التزمت الديني، وسيادة العادات والتقاليد البالية والمتخلفة، وثقافة التمييز ضد النساء، وإصرار سلطة المجتمع الذكورية على بقاء أدوار النوع الاجتماعي على حالها، وعدم الاعتراف بحضور النساء القوي الى حقول التعليم والعمل والمنافسة الجدية داخلها. كل ذلك كان مسؤولاً عن جريمة قتل الشابة إسراء غريب، وقتل عشرات الشابات والنساء أيضاً الذي تحول الى ظاهرة خارج السيطرة. تلك الظاهرة لا تقتصر على القتل، بل ثمة أشكال عنفية أُخرى كالحبس المنزلي والعزل ومنع او تقييد الحركة في الحيز العام، والحرمان من الحقوق والاغتصاب ودفع الضحايا الى الانتحار. لا يوجد عدالة حتى بالمعنى النسبي في التعامل مع أكثرية النساء. قضية إسراء غريب دفعت كل المعنيين بالتحرر الاجتماعي التفتيش عن  مفهوم الحرية والتحرر، وعن عناصر العدالة القائمة والمفتقدة داخل مجتمعنا، طرحت متلازمة الحرية والتخلف الى اي مدى نحن غارقون في التخلف، راجع الروايات المتناقضة والحديث عن الجن وشيطنة الضحية في غياب اي دليل إدانة للشابة المغدورة. أقصى تهمة كانت الخروج مع الخطيب بإذن وبوجود مرافقة، أقصى تهمة هي التقاط صورة مع خطيبها وتوزيعها على الانستغرام، إضافة الى إفراط في المكياج وزي اقل اتساعاً. ما هذا؟ لو جرى تقديم الشابة الى اي محكمة شرعية في السعودية مثلا او اي دولة دينية ماذا سيكون الحكم استناداً للشرع الإسلامي؟ بالتأكيد ستنال البراءة او عقوبة من العيار الخفيف في أقصى حد. حتى إذا افترضنا وجود اشتباه بإقامة علاقة، سيكون من المنطقي البحث عن دليل شرعي من 4 شهود، او اعتراف من قبل المتهمة. وهذا لم يتوفر بحسب الروايات المتضاربة. ما تقدم يفسر الروايات المتناقضة للمتهمين، وبخاصة الرواية التي تقول بأن الشابة ماتت بعد إصابتها بجلطة، او قفزت من الطابق الثاني بعد فقدانها السيطرة على نفسها، او ان الضرب المبرح الذي ادى الى كسر عمودها الفقري  جاء لاخراج الجن من جسدها. وكل ذلك لا يحترم عقول البشر ويقدم المجتمع الفلسطيني في صورة شديدة التخلف. 
علينا البحث عن أسباب عدم انتصار المجتمع الفلسطيني لقيم عليا كالعدالة والحرية والمساواة في العلاقة مع النساء. هل هي الذكورة التي تدفع أكثرية للصمت  على القتل والعنف والاستهتار بأرواح النساء الذي يعادل المصادقة على هذه الجريمة وغيرها. ما حدث مع الشابة إسراء غريب وبصرف النظر عن التشخيص الذي ستقدمه النيابة العامة في تقريرها الموعود، يضع السلطة التي صادقت على اتفاقية سيداو واتفاقية حقوق الإنسان واتفاقية الحقوق المدنية والاجتماعية على  محك الانتماء لهذه الاتفاقات أو نقيضها الذي يجلب الدمار لعملية تحررنا الوطني والاجتماعي على حد سواء. ما عاد الصمت ممكنا، إما أن نكون مع الحرية والعدالة وإما أن نكون مع الجهل والانحطاط. 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز