نتنياهو وحكاية المنجل

  • الخميس 2019-08-29 - الساعة 09:56
بقلم: عبد المجيد سويلم

هل هناك من تفسير منطقي واحد، يمكن أن يكون مقنعاً حول الأسباب التي تجعل نتنياهو يُقدم على ما أقدم عليه في ضرب «الضاحية»، وقبلها «عقربا»، وقبلها مواقع «الحشد الشعبي» في العراق؟
الجواب من حيث ما يُروّج نتنياهو: لا.
وهل يمكن أن تكون «الانتخابات» هي التفسير «المنطقي» لكل هذا الهياج والتبجُّح؟
الجواب: نعم. ولكن الأمر أبعد من ذلك.
نعم يبدو أن المسألة أعمق وأبعد وأخطر من ذلك.
حتى لو أن نتنياهو يرى الهزيمة أمامه، ومهما كان وما زال متشبّثاً ومراهناً على «إمكانية» منع هذه الهزيمة، فإن المنافسة الحزبية المحتدمة في هذه الانتخابات لا تسمح له بسهولة «تسويق» «الأخطار الأمنية» كذريعة وكمبرر لهذا «الهياج»، والذي يبدو الآن أنه غير قابل للتسويق السريع والسلس، وأن الأمر لن ينطلي على لا على المجتمع السياسي الإسرائيلي ـ من خارج دائرة «الليكود» واليمين المتطرف ـ، ولا على الجمهور الإسرائيلي عموماً من خارج دائرة التوراتية الثقافية والأفكار المعلّبة.
إذاً، لماذا يتصرف نتنياهو وكأنه فقد صوابه، أو كأنه ينادي على المواجهة بأعلى صوته، وهو ينتظر أن يأتيه «الفرج» بأسرع ما يمكن، علّه بذلك يُدخل إسرائيل أولاً والمنطقة كلها ثانياً، والأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة ثالثاً في لعبة خلط الأوراق، وفي تغيير مسار الأحداث ومصيرها.
الحقيقة ـ كما أرى ـ أن السيد ترامب قد أدخل منجلاً في حلق نتنياهو عندما بدا وكأنه حسم خياره حيال إيران، بالبحث عن «حل سياسي»، وعندما أعلن بما لا يقبل أي تفسير أو تأويل بأنه (أي ترامب) لم يعد مهتماً بتغيير نظام الحكم في إيران، وأنه مستعد للقاء الرئيس الإيراني، وان جلّ ما يهمه (أي بمعنى أن كل ما يهمه) هو التأكد من أن إيران لا تنوي إنتاج السلاح النووي، وأنها مستعدة للتفاوض حول الترتيبات التي تؤمّن هذا الأمر.
على ما يبدو فهم نتنياهو أن العقوبات إن كان لها من هدف جوهري فهو لن يعدو كونه «إرغام» إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل عقد «اتفاق جديد» يضمن عدم القدرة على إنتاج السلاح النووي.
أما القضايا الأخرى بما في ذلك إنتاج وتطوير منظومات الصواريخ الإيرانية، فهي وعلى كل أهميتها «ليست» أولوية مطلقة في هذه المرحلة التمهيدية من انفراج أو قرب انفراج الأزمة بين البلدين، أي بين إيران والولايات المتحدة.
وإذا كان نتنياهو لم يقوَ على «مخالفة» رغبة الرئيس ترامب في رفض دخول «أعضاء منتخبين» في الكونغرس إلى إسرائيل، فكيف له أن يخالف، أو حتى ينتقد أو يتحفظ علناً على السياسة الترامبية لـ «الحل السياسي» مع إيران؟
هذا هو المنجل الذي أدخله ترامب في حلق نتنياهو، وهو ـ أي نتنياهو ـ لا يمكن له أن يلفظه، ولا يمكن له أن يبتلعه. وعندما فهم نتنياهو هذه «الحقيقة»، والأصح القول عندما تيقن من هذا الأمر ـ ليس الآن وإنما من عدة شهور خلت ـ لم يعد أمامه سوى أن يُدخل المنطقة إلى حافة الهاوية، وأن يراهن على «معجزة» يمكن أن تعيد خلط الأوراق وأن تغير من مسار الأحداث ووجهتها وصولاً إلى إجبار إسرائيل والإقليم وربما العالم إلى إعادة النظر في هذا المسار، وهو لم يُقدم على ما أقدم عليه لولا شبح الهزيمة.
نتنياهو لا يمكن له الذهاب إلى حرب إقليمية مباشرة، وهو لن يذهب إلى هكذا حرب طالما أن السيد الأميركي له من الأفكار والآراء والمواقف ما يناقض الحرب، إلاّ إذا فرضت فرضاً، ولذلك لم يعد أمامه سوى افتعال «أزمة» كبيرة على أمل أن تُفضي إلى خلق ظروف ووقائع جديدة تُجبر الولايات المتحدة وكل منطقة الإقليم على وجهة جديدة.
لكن حسابات ترامب أبعد من حسابات نتنياهو، ومصالح الدولة الأميركية أوسع من المصالح الخاصة لإسرائيل.
والرئيس ترامب يرغب على أبواب الانتخابات الأميركية أن يُحقق إنجازات فعلية على المستوى الدولي، وهو بحاجة ماسّة إلى مثل هذه الإنجازات طالما أنه «أغدق» على إسرائيل بأكثر مما كانت تحلم به، وطالما أنه فشل فشلاً ذريعاً حتى الآن في كل الملفات الدولية. فشل معلن في أفغانستان، فشل غير معلنٍ في العراق، فشل مستتر في كوريا، فشل في إقناع أوروبا بكل خططه، فشل في العلاقات مع روسيا وفشل مؤكد في العلاقات مع الصين.
فشل في المكسيك، ومراوحات في الحروب التجارية، وأخطار على مكانة «الدولار» من كل حدب وصوب، والوظائف التي يتحدث عنها ويتشدق بها هي وظائف جزئية في قسم كبير منها، وتدفع الدولة الأميركية لها الإعانات، والخبراء لم يتمكنوا من كبح جماح خطر الانكماش المتوقع في غضون سنة واحدة من الآن، وسنتين على أبعد تقدير، بالرغم من كل السياسات النقدية المتّبعة.
عندما تكون الأمور على هذه الشاكلة، فإن حسابات الرئيس ترامب تتجاوز نتنياهو ومصير نتنياهو، خصوصاً وأن خصومه ليس لديهم مشكلة في التعامل مع الرئيس ترامب، بل والتناغم معه إذا لزم الأمر.
يتمنّى الرئيس ترامب أن ينجح نتنياهو، لأن هزيمته ليست في صالح حملته الانتخابية، ولكنه ـ أي الرئيس ترامب ـ يريد أن يقول للأميركيين بأنه: أزال الخطر النووي الإيراني، وحيّد إمكانية الحرب الإقليمية المدمّرة بأقل الخسائر، وأعاد «ضبط» منطقة الخليج تحت الولاية والرعاية والحماية الأميركية، و»فتح» الطريق نحو حل سياسي لأزمة الشرق الأوسط، وعزز من دور الولايات المتحدة، وهو سائر نحو إطفاء كافة الحرائق بمساومات وصفقات ستعود على الولايات المتحدة بالنفع والازدهار، وستعيد الولايات المتحدة للتربع على قمة الحالة الدولية من جديد دون الحاجة إلى حروب جديدة، ليس من ورائها مكاسب حقيقية، أو ليس فيها انتصارات مؤكدة.
ولهذا كله لا أُرجّح أن تنجرّ إيران إلى ملعب نتنياهو، وسيكون رد «حزب الله» محسوباً بدقة والتوقيت بدقة أكبر.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز