القصيدة ‬التي ‬'كتبناها'

  • الثلاثاء 2019-08-27 - الساعة 10:08
بقلم: زياد خداش

كيف ‬أصف ‬الرعب ‬الذي ‬يتخلل ‬لحظاتي ‬وأنا ‬أفاجأ ‬بجملة ‬كتبتها ‬في ‬قصة ‬أو ‬صورة ‬في ‬نص ‬شعري ‬كتبها ‬قبلي ‬آخرون؟ ‬كتبت ‬مرة ‬نصاً ‬نشرته ‬في ‬موقع ‬«‬قديتا»‬ ‬الفلسطيني، ‬فإذا ‬به ‬يشبه ‬في ‬المقاربة ‬إلى ‬حد ‬بعيد ‬نصاً ‬للعزيز ‬مريد ‬البرغوثي، ‬نبّهني ‬إلى ‬ذلك ‬صديق ‬لي ‬اتصل ‬في ‬منتصف ‬الليل ‬وهو ‬يضحك، ‬خجلت ‬من ‬نفسي ‬وأتذكر ‬أني ‬لم ‬أنم ‬ليلتها ‬وتخيلت ‬الأعداء (‬وهم ‬كثر ‬والحمد ‬لله)‬، ‬كيف ‬سيستغلون ‬هذه ‬المصادفة ‬ويفضحونني، ‬وتخيلت ‬مريد ‬وهو ‬يستغرب ‬فعلتي ‬ويزعل ‬مني.‬
لماذا ‬نغضب ‬ونتوتر ‬ونضطرب ‬ونخجل ‬حين ‬نعرف ‬أن ‬طريقتنا ‬في ‬قول ‬الحكاية ‬أو ‬القصيدة ‬التي ‬كتبناها ‬قد ‬كتبها ‬غيرنا ‬قبلنا؟‬
 ‬أي ‬عار ‬في ‬تكرار صيغ ‬الآخرين ‬أو ‬حتى ‬الاقتراب ‬من ‬تخومها؟ ‬
أتذكر ‬محمود ‬درويش ‬وهو ‬يروي ‬قصة ‬معرفته ‬فجأة ‬عن ‬طريق ‬صديق ‬له ‬بعنوان ‬قصيدة ‬لسركون ‬بولص ‬«‬الوصول ‬إلى ‬مدينة ‬أين»‬، ‬وكان ‬درويش ‬قد ‬وضع ‬لإحدى ‬قصائده ‬عنوان ‬«‬مدينة ‬أين»‬، ‬قال ‬درويش: ‬اتصلت ‬فوراً ‬بالمطبعة ‬وكان ‬الديوان ‬في ‬مراحله ‬الأخيرة ‬وطلبت ‬من ‬الناشر ‬تغيير ‬العنوان.‬
قد ‬يُظن ‬أن ‬قيمة ‬أي ‬عمل ‬أدبي ‬تكتسب ‬ذاتها ‬من ‬عذريتها ‬وخروجها ‬من ‬أرض ‬لم ‬يمش ‬عليها ‬آخرون ‬قبلنا، ‬ومدى ‬المساحات ‬الجديدة ‬التي ‬تخترقها، ‬لكن ‬ذلك ‬غير ‬صحيح ‬على ‬الإطلاق.‬
 ‬الحكاية ‬ليست ‬في ‬الموضوع ‬بل ‬في ‬طريقة ‬قولنا ‬له، ‬في ‬زاوية ‬مقاربتنا ‬له، ‬في ‬إحساسنا ‬الخاص ‬به، ‬في ‬إعطائنا ‬رؤية ‬جديدة ‬له.‬
«‬كل ‬شيء ‬قيل»‬، ‬هذه ‬جملة ‬شعرية ‬لغسان ‬زقطان ‬كتبها ‬في ‬مكان ‬ما ‬لا ‬أذكره، ‬تلّخص ‬هذه ‬الجملة ‬الحيرة ‬الفظيعة ‬الموجعة ‬التي ‬تصفعنا ‬جميعاً ‬ونحن ‬نتهيأ ‬للكتابة، ‬هذا ‬هو ‬قدرنا، ‬نحن ‬نتألم، ‬ونحن ‬نعترف ‬ونعرف ‬أن ‬المواضيع ‬التي ‬كتبها ‬ونكتبها ‬وسيكتبها ‬آخرون ‬في ‬كل ‬مكان ‬هي ‬نفسها، ‬وأن ‬لا ‬مجال ‬لاختراع ‬موضوع ‬جديد، ‬لأن ‬الحياة ‬هي ‬نفسها ‬الحياة، ‬في ‬كل ‬مكان، ‬الناس ‬يموتون ‬في ‬التشيلي ‬كما ‬يفعلون ‬في ‬اليابان، ‬نيرودا ‬كتب ‬عن ‬الموت ‬كذلك ‬ميشيما، ‬لكن ‬مقاربتهما ‬مختلفة ‬بالطبع، ‬ثمة ‬حب ‬في ‬أميركا ‬كذلك ‬في ‬رام ‬الله، ‬كتب ‬بول ‬اوستر ‬في ‬أميركا ‬عن ‬الحب ‬كذلك ‬فعل ‬في ‬رام ‬الله ‬محمود ‬شقير ‬وهكذا، ‬كتب (‬ت ‬س ‬إليوت) ‬عن ‬الخواء ‬الروحي، ‬قبله ‬كتب ‬دستوفسكي ‬وبعده ‬كونديرا ‬وسيكتب ‬آخرون ‬بعد ‬قرن ‬عن ‬ذلك ‬أيضاً، ‬الجمال ‬والموهبة ‬ليسا ‬في ‬موضوع ‬الخواء، ‬بل ‬في ‬كيفية ‬كتابتنا ‬إياه، ‬كيف ‬نصفه ‬ونشرحه ‬ونحسّه ‬ونقدّمه ‬ونفهمه؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز