عن بداية الثمانينات في الأردن وفلسطين

  • الأربعاء 2019-08-21 - الساعة 10:08
بقلم: عبد الغني سلامة

اهتم "الإخوان" في الأردن بشكل خاص بالفتية والشباب، وبما أنه ليس أحب على هذه الفئة من اللعب والرياضة، فقد تم استقطابهم من خلال هذا الباب، ولكن، بعد إفهامهم أن الأندية الرياضية في البلد "فاسقة"، وتتبع مؤسسات غير إسلامية، وأنَّ متابعة الدوري، أو تشجيع فريق عالمي (من الكفار) أمر غير مستحَب شرعيا، لأن ذلك يلهي عن ذكر الله.. وطالما أن الرياضة سُـنّة حميدة؛ يتوجب أن تكون في إطار الأندية والأنشطة التي ترعاها وتشرف عليها الجماعة. 
ومن الأساليب التي كان يتبعها الإخوان: المخيمات الكشفية، حيث يخضع الفتيان لتربية صارمة على مدى أيام وليال، والمبيت في مقرات الجماعة، لقيام الليل، وإلقاء دروس دينية وحزبية كانت تستمر حتى الصباح، وأيضا زيارة المقابر، وهذه كلها نقاط ضعف عند الفتيان والشبان الصغار، من خلالها كان يتم تشريبهم الفكر الإخواني بهدوء، وتعويدهم على السمع والطاعة.
الفنون بأشكالها كانت نقطة ضعف في المنهج الإخواني، فهي عندهم محرمة بأغلبها (الغناء، التمثيل، الموسيقى، النحت، الرسم، التصوير، السينما.. وهنا ما زلت أتذكر الحملات المحمومة التي نفذها الإخوان في صويلح ضد افتتاح دار للسينما..)، وكان يتم اختزال كل ذلك، وتعويضه بالأناشيد الدينية.. (حصل تطور وتغيير إيجابي على ذلك في العقدين الأخيرين)، كذلك كان يتم حظر العديد من الألعاب التي كانت سائدة بين عموم الشباب (خاصة ألعاب الورق، وطاولة النرد)، والسماح بممارسة ألعاب أخرى مثل التنس والبلياردو، ولكن داخل الأندية التي كانت تتبع الجماعة.. حتى نوعية الكتب، والروايات التي قد يقبل عليها الشبان، كانت تخضع للرقابة، ويتم استبعاد ما لا يتوافق مع فكرهم، ونهجهم.. وبهذه الطرق، كان يتم احتواء الشباب، وضمان انضباطهم التنظيمي. 
جرى كل ذلك إضافة إلى، وبالتزامن مع ما كان يجري طبخه بهدوء في المدارس والجامعات.. فقد ظلت وزارة التربية والتعليم الأردنية تحت هيمنة الإخوان لعشرات السنين (إسحاق الفرحان، عبد اللطيف عربيات، عبد الله العكايلة.. رحمهم الله)، في تلك الأثناء كانت المناهج التعليمية والتربوية يتم إعدادها على أيديهم، بتروٍ وبراعة، حيث تم تضمين المفاهيم والأفكار والأيديولوجية الإخوانية بين السطور، حتى في كتب التاريخ والكيمياء، لتستقر في عقول وأفئدة الطلبة، على مدار سنوات، كان قطاف تلك الجهود الفوز الكاسح لمرشحي الإخوان في أول انتخابات نيابية جرت في الأردن (1989). وأوضح تجليات ذلك تجدها في آراء الشارع الأردني (بما في ذلك الفلسطينيون)، والتي تكاد تكون متطابقة، بنفس المفاهيم وأساليب التفكير، والتي يظهر فيها أثر الإخوان وأثر "الجزيرة".. وهي ظاهرة تكاد تكون مقتصرة على الأردن.
أما النتائج الأخطر، والتي ستظهر في الألفية الجديدة، فقد تمثلت في انتشار الفكر الوهابي السلفي المتشدد، ومن ثم ظهور الجماعات التكفيرية، والانتحاريين، الذين شاركوا في حروب أفغانستان، والعراق وسورية والشيشان. ولفهم الرابط بين كل ذلك، لنتذكر هجرة عبد الله عزام إلى أفغانستان، وتقديم نواب الإخوان واجب العزاء في "الزرقاوي".
في المسألة السياسية، كان يتم إفهامنا أن الأنظمة العربية وكافة مؤسساتها أنظمة كافرة وجاهلية (رغم أن الإخوان في الأردن كانوا على حلف وثيق مع الدولة، ويحظون برعاية  القصر الملكي).. (كتب سيد قطب مثال على ذلك).
في المسألة الفلسطينية، يجدر الانتباه إلى أنّ الجماعة بعد أن بدأت تخرج من مصر، وتنتشر في عموم العالم، أطلقت على فروعها تسميات معينة، تعترف بموجبها بالدول القائمة؛ في سورية صار اسمها: الإخوان – ولاية سورية، في لبنان: الإخوان – ولاية لبنان، في الأردن: الإخوان – ولاية الأردن.. وهكذا، في فلسطين صار اسمها الإخوان – ولاية بلاد الشام! (راجع تصريحات محمد نظمي نصار)، ويبدو أن تغييب كلمة فلسطين لم تكن سقطة إملائية؛ فأدبيات الإخوان تسخر من اعتبار فلسطين قضية فلسطينية؛ فهي قضية إسلامية، بل إن فلسطنة القضية أضر بها، وحرمها من التضامن الإسلامي.. إلخ. وكأنَّ جموع المسلمين كانت زاحفة بجيوشها لتحرر فلسطين، فجاء الفلسطيني وقال لهم: قفوا عندكم، لا حاجة لنا بكم، فنحن وحدنا قادرون على التحرير! 
وفي أدبيات الإخوان وفي اجتماعاتهم الداخلية، وخطبهم المنبرية، في كل مرة يتم التطرق للقضية الفلسطينية، كان فقط من مدخل شيطنة منظمة التحرير، وشيطنة قياداتها، واتهامها بالعمالة والتفريط والتنازل والفساد.. حتى في زمن ما قبل أوسلو، أي في زمن الفدائية، وفي ذروة كفاح المنظمة السياسي والعسكري، وخوضها أشرس المعارك ضد إسرائيل. 
وفي الفكر الإخواني، أرض فلسطين مجرد وقف إسلامي، فهي ليست ملكا للشعب الفلسطيني (الذي وُجد وعاش على أرضه بثبات ملحمي قبل كل الديانات وبعدها).. وبالتالي لا حاجة لإبراز كيانية سياسية، ولا شخصية وطنية فلسطينية، ولا حاجة لتمثيل سياسي لهذا الشعب.. (أهم هدف مركزي للصهيونية هو تغييب أي وجود سياسي للشعب الفلسطيني).. حتى مفهوم الوطن في الفكر الإخواني مغيب وضبابي، فالوطن عندهم هو الدين، والشعب هو جموع المسلمين في العالم.. ما يعني أن رابطة الإخواني بالمسلم الاندونيسي أهم وأقوى من رابطته بابن جلدته إذا لم يكن مسلما، وبتعبير أدق إذا لم يكن إخوانيا.. والصراع مع إسرائيل هو صراع ديني، أي بين المسلمين واليهود في حرب دينية شمولية، وبالتالي كل اليهود أعداء (انتبهوا لخطبة فتحي حماد، فقد عبّر فيها عن فكر إخواني أصيل). 
قبل صعود حماس، كان الخطاب الإخواني (خاصة في فلسطين) يرتكز على معاداة منظمة التحرير، والفصائل اليسارية والعلمانية.. وكانوا يعتبرون أنفسهم في مرحلة الإعداد؛ أي بناء الجوامع، والمراكز الإخوانية، والتركيز على النشاط الدعوي والتنظيمي، ولم يكن واردا لا في الخطاب ولا في الممارسة محاربة الاحتلال، ولا حتى مقارعته.. لذلك، سمحت إسرائيل للإخوان بممارسة نشاطهم الدعوي، ومنحت "المجمع الإسلامي" في غزة تصريحا رسميا منذ بداية السبعينات، وهو أهم مركز للإخوان في فلسطين. وقد استمر ذلك حتى العام 1989، حيث اختلفت الصورة كليا بعد ظهور حماس.. لكن أغلب أفكارهم تجاه القضية الفلسطينية ظلت كما هي.
بعد انطلاقة الانتفاضة (1987)، وجد الإخوان أنفسهم بين خيارين: الاستمرار على الوضع السابق، وهذا يعني عزلهم جماهيريا، أو الانخراط في الانتفاضة، ومقاومة الاحتلال.. فاختاروا المقاومة، وصار اسمهم "حماس"، وكان هذا السبب الأهم في تنامي شعبية الحركة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز