عــزّ 'الــزيــارة'!

  • الأحد 2019-08-18 - الساعة 10:22
بقلم: حسن البطل

"عز الزيارة غارة". هذا من مأثور القول على لسان أمي مريم، رحمها الله. طيلة ربع قرن أوسلوي، كانت زياراتي إلى ما وراء "الخط الأخضر" أشبه بغارة بين منتصف نهار، وهزيع ليل، وحتى صباح يوم جديد.
النكبة في وطأة طامّة حلّت بشعبي، جموعاً وأفراداً، لكنها ضربتني في سنوات هي مفصل ما بين سن الثالثة والرابعة من عمري، أي بين ما يسمى "الوعي الغريزي" وذاك "الوعي المكتسب". ذاكرتي عن مسقط رأسي "مغبّشة" ومتقطّعة الومضات.
قبل أن دخلت أرض البلاد من بوّابة أريحا، بعد قرابة 48 سنة من المنفى، كنت أنوي سجوداً، لكنني سجدتُ وقبّلت تراب مقبرة طيرة ـ حيفا، بكيتُ وقضمتُ شيئاً من نباتاتها العطرية. يُقال إن حديد الدم يسجل إحداثيات مسقط الرأس، تدوم على مدى خمسة أجيال: جيلي، وجيل أبنائي، وجيل أحفاد أبنائي.
غير إحداثيات حديد الدم، هناك "شقلبة" نفسية، فكرية، وسياسية بين "أرض فلسطين" و"دولة فلسطين". الأولى هي الساحل، ومدن: حيفا، يافا.. وعكا، والثانية هي القدس، ونابلس، والخليل.. ورام الله طبعاً!
مثلاً، غزّة "تشقلبت" من عام النكبة فالنكسة.. فالانقلاب. غزة الفلسطينية تقلّبت بين عروبة ناصرية، وفلسطينية فتحاوية، وإسلامية حمساوية.. وهذا كل عقد ونصف العقد من الزمان.
من هم في عمري ربما عديدهم أقلّ من 1% على قيد الحياة، وربما أقلّ من ذلك كانوا في رحلة الانتقال من الوعي الغريزي إلى الوعي المكتسب، فبعد عمر الرابعة لا تعود الذكريات "مغبّشة" بل مثل فيلم طويل، لعلّ خاتمته هي "توليفة" ما بين فلسطين البلاد وفلسطين الدولة على جزء من أرض البلاد.
تلميذاً كنتُ في المدرسة السورية وزرت مجدل شمس قبل النكسة، ثم زرتها كهلاً محتلة صاعداً من الجليل. شاباً في لبنان، أطللت من كفر شوبا اللبنانية على حقول الجليل ثم في أوائل آب الجاري ألقيتُ نظرة من حقول المْطلّة الإسرائيلية إلى مرتفعات قرى لبنانية.
بدلاً من غارة ـ زيارة إلى مدن حيفا ويافا وعكا، ومن ترشيحا إلى بئر السبع، كانت لي جولة جليلية هي الأشمل والأطول، وكانت خصوصاً للقرى الفلسطينية في قلب الجليل. لماذا؟ لأن فيها "جذرنا الحي" أي ناس البلاد، وهم غيرهم في المدن المختلطة الكبيرة المُطِلَّة على الساحل.
أقمت ضيفاً ثلاثة أيام وثلاث ليال في بيت محمد بكري صديقي وأخي، وجلت خلالها في قرى بقيت فلسطينية الناس، أو قرى سقطت حرباً عام النكبة، وأقيمت على أرضها مستوطنات وقرى يهودية ذات أسماء عبرية أخرى، مثل: البروة، الصفصاف، الناعمة، وأكبرها مدينة "كرمئيل" التي بنيت العام 1962، بعدما جال بن غوريون في الجليل أوائل الخمسينيات، وتساءل: هل دخلت أرض سورية؟
من بين 70 ألف ساكن في "كرمئيل"، معظمهم الآن من الروس اليهود، هناك 2% فلسطينيون اشتروا بيتاً، ومنهم يافا ابنة محمد بكري، لم يجد زوجها أرضاً لبناء بيت في البعنة، فقد جردّتها "كرمئيل" من أراضيها كلياً. (الفلسطينيون يشكلون 18% من سكان إسرائيل، لكن بقي لهم 2% من الأراضي الزراعية).
على مدى عقد من السنوات 1987 ـ 1999 بنى محمد بكري بيتاً حجرياً جميلاً وحديقة جميلة. له من أبيه سبعة إخوة ذكور وأربع أخوات إناث، وله من صلبه خمسة أبناء ذكور وابنة واحدة. كان محمد خير دليل في الجولة الجليلية الكبيرة.
جولاتي في القرى الجليلية شملت عكا القديمة أجمل المدن، وكنت زرت عكا الساحلية، وأيضاً مدينة أم الفحم، كبرى المدن الفلسطينية بعد الناصرة، حيث عُقدت فيها جلسة استماع مع طاقم دفاع محاماة عربي ـ يهودي ينظر في قضية دعوى قضائية رفعها الجيش الإسرائيلي على محمد بكري، بعد إنجازه فيلم "جنين .. جنين" في العام 2003، وستعقد جلسة استماع أخرى آخر أيلول قبل إصدار الحكم، إمّا بدفع غرامة بملايين الشواكل أو بالسجن سنوات.
تعرفون أن إسرائيل بنت منذ إقامتها حوالى 900 مدينة وبلدة وقرية ليهودها، مقابل صفر من المدن والقرى العربية، التي تبدو مقابلها قرى ومدن الضفة أسعد حالاً عمرانياً، وحتى مدينة أم الفحم تبدو في حال عمراني أشبه، بحال مخيم اليرموك في سورية، وتفتقد إلى مخططات التوسع العمراني لـ 1,8 مليون فلسطيني كانوا 150 ألفا عام النكبة.
ناس الضفة يزورون مدن الساحل، أو أن اللاجئين فيها يزورون قراهم الأصلية. أما الفلسطينيون في إسرائيل فإن حيفاهم وعكاهم ويافاهم هي رام الله ونابلس والقدس (وجنين وطولكرم وقلقيلية للتبضُّع).
كما الكتابة على جدران مدن وقرى الضفة، كذلك على مستديرات القرى والمدن الفلسطينية في الجليل، وعلى مستديرة في أم الفحم على اسم الشهيد محمد أحمد عتيق سجّلت هذه الكتابات: "الحجاب قبل الحساب"، "الربا حرام"، "أم الفحم حرّة"، "لا شرقية ولا غربية".
راحت علي صورة تذكارية لنصب "يوم الأرض" في مدينة سخنين، وهو أجمل نصب تذكاري لانتفاضة "يوم الأرض" العام 1976 في مثلث سخنين ـ عرابة ـ دير حنّا، الذي صار يوماً قومياً للشعب في البلاد والمنافي، وبعده توقفت مصادرات الأراضي الكبيرة، وتوجهت إلى النقب والضفة الغربية، لكن في "مطعم الوادي" في دير حنّا يقدمون لك أشهى المأكولات لمطعم يستحق خمس نجوم.
فلسطين توجد حيث يوجد فلسطينيون على جانبي "الخط الأخضر"، وفلسطين أضحت حقيقة سياسية، أما صيرورتها حقيقة سيادية فأمر آخر يطول أو يقصر.
فلسطين الجغرافية هي أرض البلاد من النهر إلى البحر وفلسطين السياسية هي مشروع الدولة على الجزء المتاح من أرض البلاد، إلى أن تتشقلب الأمور خلال عقدين أو ثلاثة. ربما هذا بعض سرّ غارة لثلاثة أيام في جليل فلسطين.
شعبان على أرض واحدة. شعب له دولة، وآخر بلا دولة.. استمرار الحال من المحال.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز