.. وكأنني تزوّجت البلاد!

  • الخميس 2019-08-08 - الساعة 08:59
بقلم: حسن البطل

«شهد المشاهد كلها». هكذا قال الأقدمون عمّن عارك نوائب الدهر وعركته. هل ليس أدهى وأعظم من نائبة النكبة، وقد عركت الشعب وعاركها في البلاد والشتات. هاكم ثلاثة نماذج، هي حصيلة ثلاثة أيام وثلاث ليال قضيتها في جليل فلسطين.
***
زهرة
ثلاث زيتونات معمّرة ـ متجدّدة في بيت الحاجة زهرة تغطي ظلالُها باحة البيت قعدت في باحته ثلاث ليال، هي لمّة ناس قرية البعنة، تهيئة لما بين كتب كتاب الشاب حسن، حفيد زهرة، ويوم زفافه إلى عروسه من قرية نحف (باعدوا تصحوا) !
على كرسي تقعد زهرة (91 سنة)، كأنها زيتونة حامولة البكري، ثالثة حامولات القرية، بل وأكبر الأحياء في القرية، وهي خالة محمد بكري، الممثل والمخرج، الذي استضافني في بيته.
كما رجال المنفى، كما رجال البلاد، الذين «طقطقوا» من القهر والهمّ بعد النكبة، فإن بعلها «طقطق» وترك لها عشرة أولاد ربتهم حتى شبُّوا، ورعت أولادهم وحتى أحفادهم الذين رأيتهم زينة زفاف حسن الوشيك. جيل جديد وجميل.
أذهلني صفاء وجه زهرة، كأنها في الخمسين من عمرها، وثمة شيء أضاء صفحة وجهها لما أخبرها محمد بكري أنني ولدت في طيرة حيفا. «مصير الحي أن يتلاقى».. في أرض الأرض.
البعنة جارة مجد الكروم، وعلى الاغلب ستكون سهرة ليلة زفاف حسن في ما كان مركز الحكم العسكري، وفيه سجن مرّ عليه محمود درويش، ولعلّه الذي أوحى له بالقول: «لا غرفة التوقيف باقية، ولا زرد السلاسل».. ومكان ما كان صار صالة للأفراح، فيه «يزوّجون أولادهم لبناتهم» كما قال الشاعر عن تعريف علاقة ناس البلاد بأرض البلاد.

درويش
في الطريق إلى البروة، أشار محمد بكري إلى سفح تلّة، وقال: صعد الغزاة من هنا، وهبطوا إلى القرية، طردوا منها أهلها، مسحوا بيوتها، وأقاموا في أراضيها مستوطنة اسمها «أحيهود» وأسكنوا فيها يهودا يمانيين.
ما الذي تبقّى من البروة؟ في ظاهر مستوطنة «أحيهود» مدرسة كان درويش من تلاميذها. من غرفة تلاميذ الصف الثالث أطللت على «السبّورة». للمدرسة خمس غرف لخمسة صفوف، وفيها تعلّم الشاعر فكّ حروف اللغة العربية، وانتهى إلى «سيد الكلام»  ومكانة الشاعر القومي!
شيبة الرجال لون البياض، ولشيبة الحجارة لون السواد، وحديقة المدرسة وحشية في نباتات الحرفيش الذابلة، ونباتات الشومر، ولا تسأل كيف كانت الأشجار وكيف صارت.
وطأت أرض المدرسة حريصاً، خوفاً من لدغة أفعى لأقدام تنتعل الصندل. بدت لي المدرسة قبراً كبيراً، أو ضريحاً مهجوراً.
درويش «شهد المشاهد». كتب في ديوان مبكر: «تزوّجت البلاد يا محمد». هل رأى كيف صارت غرفة التوقيف صالة أعراس لشباب قرى: البعنة، دير الأسد، نحف، مجد الكروم، وعلى أراض مصادرة لهذه القرى أقيمت مدينة «كرمئيل» اليهودية الصرفة.
تظل البروة التي جرّدت من كامل حقولها على خارطة الحنين، مبنى مدرسته الأولى أشبه بضريح مهجور، وأما مثواه الأخير في رام الله فصار معلماً يحج اليه الناس، وللبروة التي فقدت اسمها على خارطة اسرائيل، أن تصير مشروعاً لحديقة البروة على التلة في رام الله.
الذي قال: كان اسمها فلسطين وصار اسمها فلسطين، يوارى الثرى في أرض فلسطين ـ الجزء المتاح من فلسطين، بعد أن «شهد المشاهد.. ليس كلها بل جلّها.

صبري جريس
ابن البروة وابن الجديدة، عاد من المنافي إلى رام الله، لكن ابن فسوطة، صبري جريس، عاد إلى قريته، وإلى بيت غادره إلى المنافي مبعداً، بعد أن شارك في إصدار «نشرة الأرض» إبّان الحكم العسكري. «يمشي المكان في المكان، وأنت يمشيك الزمان».
في بيروت شهد صبري؛ عن بعد، انتفاضة يوم الأرض في العام 1976، كما شهد تدمير مركز الأبحاث، ثم إعادة تأسيسه في نيقوسيا، وبعد أوسلو عاد إلى حيث ولد.
كنت معه في بيروت؛ ومعه في نيقوسيا، وكان معي زائراً في رام الله.. وأخيراً زرته في قريته. هذه دورة زمان، وشعار صبري بعد أوسلو هو كما قال الشاعر القديم: «نحن قوم لا نرى في الخير لا شر بعده/ ولا نرى في الشر ضربة لازب». نهض الشعب من النكبة الأيارية، ولم تنهض الأمّة من النكسة الحزيرانية.
الذي يعرف فلسطين قبل النكبة (عمره الآن 81 سنة)، وإسرائيل بعد النكبة، وفلسطين بعد أوسلو، عرضت عليه أن يكتب في هذا المكان. قَبِلَ مبدئياً، وكان في بيروت قد رفض التماس الانتقال من الصحافة إلى مركز الأبحاث، لأنّ للصحافة دورها، ولي فيها دور.
في بيته يعيش وحيداً، وتعيش ابنته الوحيدة في رام الله، وبيته المتقشّف صار مركز أبحاث مصغّراً. صبري «شهد المشاهد كلها».
***
كنت أريد أن أُعنون المقالة بـ «كنتُ في فلسطين» أو كنت أجول ثلاثة أيام في قرى الجليل. في مستديرة بالبعنة نصب من حجر لخارطة فلسطين الكاملة، التي هي خارطة إسرائيل الكاملة. قرأت أن شاباً في المثلث قال لأمه: تريد إسرائيل ضمّنا إلى فلسطين. قالت: إحنا في فلسطين يمّا!. فلسطين الأوسلوية هي لديهم «يهودا والسامرة» وفلسطين الحنين هي حيث يعيش الفلسطينيون في أرض فلسطين.
ألقيت السلام على قرية مصمص حيث عاش راشد حسين، وألقيت السلام على قرية الرامة حيث عاش سميح القاسم، ورأيت رؤيا العين والقلب مدرسة البروة.
الذي ولد في طيرة حيفا قبل النكبة «شهد المشاهد» ليس كلها بل جلّها. وفي جولة مع محمد بكري وضيافته في الجليل بقية. تزوّجت البلاد ثلاثة أيام وثلاث ليال.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز

التعليقات