الجدار الحديدي..!!

  • الثلاثاء 2019-08-06 - الساعة 11:36
بقلم: حسن خضر

في مقابلة مع رئيس تحرير "إسرائيل اليوم"، قال نتنياهو، في أواخر حزيران الماضي: "لو لم تكن إسرائيل هنا لانهار الشرق الأوسط"، فهي "الضامن لبقاء المنطقة برمتها موالية لأميركا والغرب". ومن غير الواضح ماذا يعني بالشرق الأوسط، ربما قصد العرب الآسيويين. فلن يفكر تركي أو إيراني في إسرائيل كضامن. 
الشرق الأوسط لدى المؤرخين والجغرافيين أكبر من الدول العربية الآسيوية بكثير، ليس لأنه يضم تركيا وإيران، وحسب، ولكن لأن جمهوريات آسيا الوسطى، وأفغانستان، تُعتبر جزءاً منه، أيضاً. وقد نشأ، في حدوده الحالية، في سياق "اللعبة الكبرى"، التي تغطي جانباً كبيراً من تاريخ القرنين التاسع عشر والعشرين. وكل ما وقع في هذه المنطقة يعود في جانب منه إلى "اللعبة الكبرى"، وإن تغيّرت أسماء وأدوار اللاعبين: أميركا بدلاً من بريطانيا، التي كانت لاعباً كبيراً، وأصبحت مجرّد كومبارس، أما الروس فهم الروس، قياصرة، وسوفيات، وفيدراليين.
ولا تستطيع إسرائيل، بهذا المعنى، مهما امتلكت من مزاعم، وحتى إن كانت "العناية الإلهية" منّت عليها بنتنياهو، وأدخلت حليفاً لها من فصيلة ترامب إلى البيت الأبيض، ممارسة دور اللاعب الكبير. قاطع طريق؟ ربما. محصّل ضرائب؟ ربما. حامية متقدّمة؟ ربما. أما وضع قناع الحوت الكبير صانع المصائر، والخرائط، على وجهها، فهذا أقرب إلى السلوك الانتحاري منه إلى الحسابات السياسية الباردة.
مع ذلك، وإذا منحناه رفاهية الشك، كما يُقال، ربما قصَدَ بالشرق الأوسط العرب الآسيويين، وتركيا وإيران. وحتى هذا كبير عليه. فإذا وضعنا العرب الآسيويين جانباً، ولا قيمة لهم في الوقت الحاضر، فإن سلوك إسرائيل، ناهيك عن ادعاء دور الضامن، من أسباب تدهور العلاقة بين الأتراك والإيرانيين من ناحية، والغرب والأميركيين من ناحية ثانية. 
وإذا ساورت أحد من الإسرائيليين أوهام تطويع هؤلاء، فثمة مشكلة في قراءة التواريخ والسياسات والخرائط، فالعالم، سواء الشرق الأوسط الصغير أو الكبير، أو أي مكان آخر، أكثر تعقيداً من هذا بكثير، منذ "السلام الروماني"، وحتى "السلام الأميركي" قبل قليل.
 كل ما يستطيع الإسرائيلي تحقيقه لن يتجاوز، في الواقع، إقناع هؤلاء بقبوله كشريك، صغير على الأرجح، واقتسام "الغنائم"، ومن موقع الشريك الصغير، أيضاً. وهذا، بدوره، يحتاج عقوداً طويلة، وأكثر من حرب، ولن يضمن أحد مَنْ الذي سيتغيّر، إسرائيل أم الشركاء، كما لن يضمن أحد نجاح، أو ديمومة الرهان نفسه. فتاريخ الاثنيات والقوميات والأقليات، في فسيفساء الشرق الأوسط، ماكر ولئيم. 
ولنعد إلى المعاني المُحتملة "لانهيار الشرق الأوسط". وطالما أن ضمان عدم الانهيار يقترن في نظره ببقاء "المنطقة"، التي نحصرها بالعرب الآسيويين، موالية للغرب، والأميركيين. فما معنى الانهيار، والولاء لأميركا والغرب؟ قد يعني الانهيار تمدد إيران، أو صعود خلافة الدواعش الوحشية، وسقوط هذا النظام أو ذاك، وفي الحالتين فاتحة للحروب الأهلية، أو ثورة الشعوب على حكّامها، التي قد تسفر عن حروب أهلية، أيضاً. 
في المعنى السافر لكلام نتنياهو أن المنطقة "موالية" للأميركيين والغرب. ولن يفشل الناظر إلى هذا المعنى في العثور على دلالات ومفارقات مُدهشة لكل ما أنجب الولاء من تداعيات: ففي ظله، وفي حضن أكثر الموالين للغرب والأميركيين صدقاً في القول والعمل، نبتت أكثر الأيديولوجيات كراهية لا للغرب والأميركيين وحسب، ولكن للبشرية، أيضاً. وفي ظل الولاء، الذي يتطوّع نتنياهو لضمانه، أصبحت بلاد العرب الآسيويين الأكثر ظلماً وظلامية وكراهية لحقوق الإنسان، وفي طليعة البلدان المُنتجة والمُصدّرة للإرهاب والانتحاريين واللاجئين.
وأخيراً، ما المقصود بالغرب وأميركا: الديمقراطيات الليبرالية أم الشعبويات الصاعدة؟ أوليست روسيا من الغرب، أيضاً؟ وهل يجمع بين أوروبا وأميركا موقف واحد وموّحد، بالمعنى السياسي، والاستراتيجي، إزاء العرب الآسيويين؟ حتى في الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي، ثمة خلافات بين هؤلاء وأولئك، وبين أميركا ما قبل ترامب وبعده.
وإذا كان ترامب قد ذكّر بعض العرب الآسيويين بأنهم لن يبقوا في الحكم أكثر من أسبوعين دون حمايته، وتطوّع نتنياهو لدور الضامن، سواء بمقاولة في الباطن، أو في وضح النهار، ألا يعني هذا أن مشكلته مع العرب الآسيويين أبعد وأعقد من موضوع الفلسطينيين بكثير؟
على أي حال، ذكّر نتنياهو مستمعيه، في إحياء ذكرى جابوتنسكي، يوم الخميس الماضي، بنظرية "الجدار الحديدي" وساق أمثلة للتدليل عليها. لا يتسع المجال، هنا، لتفاصيل كثيرة. المذكور هو الأب الروحي لليمين الصهيوني، والليكود، وأحد أبطال نتنياهو.
 وموجز نظرية "الجدار الحديدي"، التي طرحها في الثلاثينيات أن العرب، يقصد الفلسطينيين، لن يقبلوا وجود دولة يهودية، في فلسطين، وأن لدى هؤلاء "مشاعر قومية" جنينية، وبدائية (على رأيه، شكراً) ولن تسمح لهم بالتفريط في ما يعتبرونه وطناً لهم. والخلاصة، تسييج مشروع الدولة اليهودية بالحراب، والاستعداد لحرب طويلة الأمد، لإرغام الفلسطينيين، بالقوّة، على قبول المشروع.
مرت كثير من المياه تحت الجسر على مدار تسعة عقود مضت. ومع ذلك كلما سمعنا كلام الإسرائيليين، والأميركيين حالياً، عن عدم وجود شريك "للسلام"، وعن الفلسطينيين الذين لم يُضيّعوا فرصة لإضاعة فرصة، فلنتذكّر "الجدار الحديدي" بوصفه مجازاً لجدار من نوع آخر في علاقة الكثير من الإسرائيليين بالواقع، لأن أحداً من هؤلاء لا يملك إجابات محددة بشأن المدة التي تحتاجها الحرب طويلة الأمد، والانتصار النهائي، ويعجز عن حصر الدلالات القانونية، والاقتصادية، والثقافية، والنفسية، والسياسية، والإجراءات العملية، وحتى النوايا، الكافية لتعريف معنى قبول الفلسطينيين بالمشروع.
هم يريدون لأنفسهم دور الضامن في الشرق الأوسط (يا للهول، بصوت يوسف وهبي، طبعاً) لكنهم ينتظرون من الفلسطيني أن يكون ضامناً لهم. وثمة مشكلة "الجدار الحديدي" في الحالتين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز