كم نحن منخفضون!

  • الثلاثاء 2019-07-16 - الساعة 09:01
بقلم: زياد خداش

(1)
أتذكّر عروساً في قصيدة لوليد الشيخ، كانت تشعر برغبة شديدة في التبول بينما حشد فرح يرقص حولها، وحدي أعرف الآن أنك تركضين أمام طلقات وغاز جنود الاحتلال مع الراكضين، ليس هرباً أو تجنباً لـموت أو اعتقال، بل بحثاً هائجاً عن مرحاض.
  مشهدك هذا لا تسرده قصص الوطن ولا تغنيه أغاني الثورات، ولأنه خارج السياق الوطني يتم طرده من مشاهد الحياة.
سأحتفل به وحدي هنا. يا لركضك الانساني جداً يا صغيرتي.!
في نهاية الاربعينيات في بيت نبالا - الرملة المهجرة كان أبي يتراهن مع زملاء صفه في الصف الثالث على من يلمس بيده أعلى حجر من حجارة مدرسة القرية هذه.
كان أبي يخسر دائماً لقصر قامته بالنسبة لقامات زملائه ويعود إلى أمه باكياً وغاضباً.
اليوم بعد ٧٠ سنة تقريباً يعود أبي الى قريته ومدرسته ( الأثر الوحيد الباقي). ليلمس أعلى حجر في المدرسة ويفوز للمرة الأولى.

(2)
قررت أن أفضح رام الله.
الشعر والمطر والشهداء.
عدة رام الله السحرية التي تستدرج بها حيفا، ترتعد حيفا حبا أمام قصيدة رام الله، تبكي أمام شهدائها، ثم تركض تحت مطرها.
وفي نهاية الأغنية تفرغ القاعة من الجمهور، تغادر رام الله متسللة، فتسود عتمة غريبة  مليئة بالجثث وبقايا الولائم والغبار، تبكي حيفا أمام جثة ذاتها، تركض دائخة داخل روحها، ثم ترتعد في الطريق إلى غرفتها برداً. 
حيفا الجميلة ترسب دوما في درس الكراهية.

(3)
ما سر ابتسامة أهل المخيم للكاميرا؟ بحب يبتسمون وخوف وخجل وبلا كلام. مثل أطفال يدخلون المدرسة لأول مرة يتحول أهل المخيم أمام الكاميرا، مسنين وشباباً.
نهار كامل من التصوير مع المخرج النصراوي الموهوب شادي حبيب الله، في أزقة مخيمي، مع الأطفال وعابري الطرق والأزقة والمحال وشمس الغروب والأسطح والنساء المسنات. 
نهار كامل والناس تبتسم للكاميرا، ما الذي تعنيه الكاميرا لابن المخيم؟ إن لم تكن هي الأفق والشمس والعالم؟ ويد الفضول الشهية والوقاحة المغوية؟
كم نحن منسيون أيها العالم! كم نحن منخفضون! خذينا ايتها الكاميرا الى حيث يسمع أحد صوتنا، الى حيث نسمع نحن صوتنا.
نهار كامل من صخبنا وركضنا في الأزقة في عز قيلولة الناس، معظم الأبواب كانت مفتوحة، لم يتذمر أحد من وجودنا، لم يستأ أحد من أصواتنا العالية وصراخنا وركضنا مع أطفال المخيم خلف نافذته وأمام باب بيته، لم يطل أحد من سطح أو نافذة عالية، ليسأل: من هؤلاء المزعجون؟ نريد أن ننام، اذهبوا بعيداً أيها المتحذلقون، المخيم محروم من هذه الحاجة البسيطة، الصغيرة ـ المخيم مستسلم أمام الضجيج، واللاخصوصية، المخيم معتاد على الأصوات تحت النافذة، فإلى أين يذهب الأطفال ليلعبوا ؟ وأين تكسر البنات الصغيرات دُماهن، في لحظة ضجر وذكاء وكرامة حين يكتشفن أن الدمى ليست حلاً لظلام المخيم؟ وأين تقف المسنات ليستحممن بماء الذاكرة العالي والهائج، مع فضة النهارات هناك؟ كل شيء مفتوح ومخترق ومكشوف، نحن عراة أيها العالم ومتاحون لفضولك، فتعال تقدم، لا تخف لا تخجل، انظر الى مؤخراتنا وملابسنا الداخلية، تعال المس حصالات أطفالنا الفخارية، اكسرها إن أردت فهي سهلة الكسر، تعال حدّق بسعالنا واضحك أمام شخيرنا وغضباتنا البيتية الخاصة.
ولكن أرجوك أيها العالم اُترك لنا بصيص خصوصية، نرغب بعد قليل بتقبيل زوجاتنا.
هل تسمح؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز