النكبة، ومستقبل الصراع

  • الأربعاء 2019-05-15 - الساعة 09:39
بقلم: عبد الغني سلامة

اليوم، وبعد سبعة عقود من النكبة، وبعد أكثر من قرن من عمر الصراع، تقف الدولة العبرية أمام محطة تاريخية مصيرية، محملةً بأعباء الدور التاريخي الذي أُسند إليها، ومن إشكالية الدور الوظيفي المنوط بها، تعاني من تبعات تركيبتها المصطنعة، ومن افتقارها للعمق الحضاري، وعزلتها عن المحيط الذي تعيش فيه، وقد حكمت على نفسها بأن تظل في حالة حرب مستمرة، وكأنَّ الحرب هي مبرر وجودها، وعداء الآخرين هو سر وحدتها المجتمعية، وشعورها بالخوف هو الذي يبقيها متحفزة على الدوام، حتى باتت إسرائيل بمثابة جيش له دولة، أو إسبارطة الجديدة.. فهل هنالك دولة ما تحتمل فكرة أن تظل في حالة حرب مستمرة وللأبد؟!
الأجيال الجديدة التي وُلدت في إسرائيل بعد قيام الدولة لا تحمل كلها بالضرورة أفكار الآباء المؤسسين، وقد عاشت هذه الأجيال فيما يشبه الاستقرار المجتمعي الذي أدى إلى بروز شرائح اجتماعية ضاقت ذرعا بالحروب، وتريد العيش بأمن وسلام، ولم تعد تعنيها تخاريف الأحبار وأساطير التوراة، ولم تعد تصدق أكاذيب السياسيين ورؤساء الأحزاب.
والمجتمع الإسرائيلي، وهو عبارة عن خليط غير متناسق من الإثنيات والأعراق والثقافات، يعاني مثل أي مجتمع يضم بين سكانه عددا كبيرا من القوميات والأديان واللغات، ولكن إسرائيل لا تحتمل أن تبرز هذه التناقضات على السطح، وما أخّر ظهورها وتفاقمها هو توحّد المجتمع تجاه ما يعتبره الخطر الخارجي، ولهذا فإن أخطر ما تواجهه إسرائيل هو السلام؛ السلام الذي سيُظهر التناقضات الموجودة داخل المجتمع، وسيتيح لها أن تأخذ مجراها الطبيعي.. السلام الذي سيجعل إسرائيل في النهاية تذوب في المحيط العربي، وتختفي المعالم البارزة في هويتها، وتضمحل كل مقومات دعايتها التحريضية وأسباب توحدها.
وإلى جانب التناقضات الداخلية في المجتمع، فإن إسرائيل تعاني من انخفاض منسوب الهجرة ومن تزايد معدلات الهجرة المعاكسة، ما يضعف قدرتها على مواجهة الخطر الديموغرافي الفلسطيني، مع أن المتدينين (الحريديم) يعوضون هذا النقص، وكلما مر الوقت ازداد تأثير العامل الديموغرافي خطورة على إسرائيل، وبالتالي تقلصت خياراتها في مواجهته، كما أن تمتعها بالتفوق المطلق في موازين القوى العسكرية ليس دائما في صالحها، فإذا كان الطرف الفلسطيني أعزل فإن هذه النقطة بالتحديد قد أكسبته ميزة قوة الضعف، وفي المقابل فإن إسرائيل الدولة النووية المتخمة بالقوة العسكرية، ستعاني من ضعف القوة؛ فهي لا يمكنها استخدام كل هذه الترسانة في مواجهة شعب أعزل يطالب بحقوقه الوطنية، بأساليب حضارية تقرها المواثيق الدولية، وتحظى بتأييد معظم العالم.   
هذه المعادلة المختلة ستجعل من مستقبل الصراع محكوما بعوامل أخرى لها القدرة على الحسم والتأثير أكثر من الجانب العسكري، وأهمها وجود الشعب الفلسطيني بحد ذاته كهوية سياسية لها حضور دولي؛ فثبات الشعب فوق أرضه كشف عن مأزق إسرائيل التاريخي المتعلق بطبيعة هوية الكيان الإسرائيلي. 
فلا هي قادرة على ضم الفلسطينيين، ولا على طردهم، فإن ضمتهم، تقوضت أركان الدعاية الصهيونية (التاريخية والدينية)، وانهارت فكرة يهودية الدولة.. وإن قمعتهم، تضررت صورتها التي تسعى لرسمها في المخيال العالمي (تصبح دولة أبارتهايد)، وعملية طردهم لها تبعات خطيرة، ترغب بتجنبها. 
إذاً، إسرائيل ورغم أنها خُلقت للحرب، إلا أنها لا تحتمل أن تظل في حالة حرب للأبد، ولا تستطيع أن تعيش طويلا في حالة عداء مع محيطها ومعزولة عنه، ولا تستطيع تجاهل وجود الفلسطينيين (وبالتالي حقوقهم الوطنية)، ولا تستطيع أن تدير ظهرها للعالم وكأنها دولة فوق القانون، وهي إن كانت تمارس كل ذلك فعليا الآن، إلا أن هذا يحرج حلفاءها، ولا تستطيع أن تبقى دولة احتلال.. لأنها بذلك تسير في عكس مسار حركة التاريخ، ولأنها تعتمد في اقتصادها على المساعدات بالكامل فهي لا تستغني عن حلفائها، ولكن التاريخ لم يخبرنا عن كيان اعتمد في وجوده على المساعدات الخارجية للأبد، إذ إنه في حالة حدوث تغيرات معينة على المعادلة السياسية الكونية ستصبح إسرائيل عبئاً على حلفائها، ولذلك فإن السلام الحقيقي بالنسبة لإسرائيل سيحمل في طياته عوامل تفككها.. وانفتاحها على العالم العربي يعني ذوبانها واضمحلال هويتها.. وعاجلا أم آجلا لا بد أن تواجه إسرائيل الحقيقة.
هذه الحقائق حاضرة في ذهن صناع القرار الإسرائيليين، وأي خطط استراتيجية للمستقبل، لا تحتوي على أي ضمانات، حيث لا يمكن لإسرائيل أن تتحكم بحركة التاريخ، ولا يمكنها مخالفة نواميس الكون وقوانين الطبيعة، التي هي بحكم تركيبتها ستكون في مواجهتها، فهذه العوامل لا يمكن ضبطها، وهي ربما تحمل في طياتها عوامل تفكك، ولهذا فإسرائيل تعمل جاهدة على تأخيرها، أو تجييرها لصالحها، أو خلق حقائق جديدة على أرض الواقع وبقوة السلاح.
حاليا، على المستوى التكتيكي لإسرائيل قدرة كبيرة على المناورة والتحكم، خاصة وأن الفلسطينيين ليسوا في أفضل حالاتهم، والواقع العربي أسوأ، والظرف الدولي في هذه المرحلة في القبضة الأميركية، وإسرائيل ما زالت دولة فتية ذات جيش قوي، ولديها اقتصاد ضخم، وقضاء مستقل، وصحافة قوية، وهي دولة مؤسسات.
ومع أنها دولة قوية، ولكن يمكن هزيمتها، وهي الآن تواجه مأزقاً تاريخيا وعليها حله، وعلينا نحن أن نعمقه.
في ظل هذه المعطيات تحاول إسرائيل مواجهة الواقع والخروج من أزمتها، فهي قد توصلت لقناعة باستحالة اقتلاع الشعب الفلسطيني أو تجاهل وجوده، وأنها لا تستطيع الاستمرار بتجاهل الشرعية الدولية وضربها عرض الحائط، أو تجاهل المبادرات السياسية المطروحة.
صحيح أنه في ظل الوضع الراهن للقضية الفلسطينية، ستكون كافة البدائل المتاحة أمام الفلسطينيين أسوأ من بعضها، فبسبب التعنت الإسرائيلي والانحياز الأميركي، بل تورطه بشكل مباشر لصالح إسرائيل، تعثرت عملية السلام. ولكن، في المقابل، الخيارات الإسرائيلية، وإن كانت على المدى القريب مريحة، إلا أنها على المدى البعيد كارثية.. فبسبب غطرستها، لن تعي إسرائيل دروس التاريخ، وستحكمها قوى التعصب والتطرف اليميني.
والتاريخ يخبرنا بأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، وأن إرادة الشعوب الحية أقوى بكثير من الدبابات، ولا أعتقد أن نهاية الاحتلال الإسرائيلي ستختلف عن نهاية نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا.
وإن غدا لناظره قريب..

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز