القصة الناقصة التي أكملها أصدقائي بعد موتي

  • الثلاثاء 2019-05-14 - الساعة 09:28
بقلم: زياد خداش

رجل ضخم يغلق باب المرحاض.
كنت أركض في الشارع، بأقصى سرعة، صاعداً الى مراحيض مجمع  سيارات رام الله، بالنسبة لرجل خمسيني يبلغ وزنه المئة من الكيلوغرامات فهذا مشهد حتماً يأخذ الناس الى الابتسام أو الحزن، أو الاستغراب، سمعت أصواتاً تناديني: شو القصة يا زوز؟ خير يا زلمة مالك بترمح؟ لا حول ولا قوة الا بالله شكله انجن الأستاذ، حاجتي للتبول كانت حاسمة وغير  قابلة للتأجيل، كان هو يجلس أمام مرحاض مجمع سيارات رام الله العمومية، قفز الرجل عن الطاولة التي تقع على يمين الباب، وقف أمامي وأمام باب المرحاض، فارداً ذرعيه الهائلتين على وسع الباب، ضخماً بشارب خفيف: 
شيكل لو سمحت.
يا زلمة ابعِد من قدامي وأنا طالع بعطيك.
شيكل لو سمحت.
لم يزحزح الضخم صاحب الشارب الخفيف، شيئاً من جسمه او من ملامحه الغريبة، كنت أضع يدي على سحّاب بنطالي الذي فتحت نصفه، وبدأت أشعر أن بضع قطرات من بولي قد بدأت بالتسرب.
بعد كتابة هذه السطور التي كان من المفروض أن تتواصل لتصبح قصة قصيرة في مجموعته القصصية القادمة، مات زياد خداش صريعاً بنوبة قلبية حادة، وساقطاً على الأرض ساقطاً على الأرض بسحاب بنطال نصف مفتوح وقليل من البول، من يكتب هذه السطور هو أنا - صديقة زياد، قررت مع عدد من أصحابه المقربين أن نكمل قصته القصيرة وهي آخر ما كتبه قلمه، هذه، تكريماً بما يتناسب مع ما نعرفه من أسلوب زياد ولغته وهواجسه، وألعابه الفنية، اجتمعنا في بيت الشاعر وليد الشيخ، كنا ستة: الإعلامي صالح مشارقة والكاتب مالك ريماوي والدكتور اسامة ميمي والروائي أمير داوود، وأنا الصبية الوحيدة التي أدعي أنني كنت الأقرب الى جسد زياد وروحه، لكن صالح يخالفني جزئياً: كنت أنت الأقرب لجسده نعم، لكن لا تقتربي من روحه، نحن رفاق روح أبو الزوز.
قال أسامة: سأحاول أن أتقمص خيال الرجل الحبيب (زوز) مالذي كان سيحدث بعد أن أغلق حارس ومنظف المرحاض باب المرحاض بجسده وغضبه:
 صرخ زوز في وجه الرجل الضخم، خذ محفظتي كلها أيها الأبله، ودعني أمر، استلم الضخم المحفظة، وفتح الطريق لزوز، وبعد أن خرج زوز، لم يجد أثراً للضخم، ولا للمحفظة.
اعترض  امير داوود على خيال الدكتور أسامة، قائلاً: زوز لا يتورط في ادانات سريعة لشخصياته، شخصية الضخم حسب ما اتوقع أقرب للبلاهة والبساطة، الرجل يريد شيكلاً فقط، وهو تصرف كرجل مخلص يحافظ على مهنته، وفظاظته السلوكية هذه نابعة من كون عديد من الداخلين للمرحاض يخرجون دون أن يدفعوا الشيكل، هو يريد فقط أن  يضمن الشيكل  ولا طريقة أضمن من أن يمسكهم في عز أزمتهم  البولية، حتى يضطرهم للدفع، لكن زوز تصرف بطريقة أربكت الضخم، سلّمه المحفظة كاملة، برأيي أن الضخم تناول من محفظة الحبيب الراحل عشرين شيكلاً ورقية وصرفها من صندوقه الحديدي، ثم أعاد الباقي لزوز مع محفظته طبعاً. هذه السطور أقرب لعالم زوز وشخصيته، فزوز يتجه كما نعرف للفكاهة في قصصه الاخيرة، الفكاهة التي تكشف عن باطن الانسان البسيط، وتورطه في مآزق والتباسات نفسية ومجتمعية.
لا أتفق مع ذلك، قال الشاعر وليد الشيخ، صحيح زياد يميل للفكاهة السردية في أعماله الجديدة، لكن الحس المأساوي مرتفع جداً أيضاً لديه، ما حصل هو أن الضخم كان طالباً في الصف السابع الابتدائي في مدرسة زياد، واضح أن زياد لم يتذكره، بحكم أن المعلمين لا يتذكرون تماما طلابهم، عكس الطلاب الذين يتذكرون، ما حدث في الزمان القديم ان هذا الطالب الذي اصبح رجلاً ضخماً وحارساً لمرحاض عمومي، طلب من المعلم زوز في حمى حصة كتابة ساخنة  المشاعر، ان يخرج للمرحاض لأنه مضطر جداً، رفض زياد بشدة، قائلاً للطالب: أرجوك لا تحرجني، أعرف أنك غير صادق، وبالفعل كان هذا الطالب مشهوراً بخروجاته المتكررة في حصص المدرسين، بول الطالب على نفسه، ما أربك زوز واثار ضحك الطلاب، اعتذر زوز للطالب، الذي صدف وأن كان صادقاً هذه المرة، هذا الطالب أغلق مرحاض المجمع في وجه زوز انتقاماً، او احتجاجاً او تذكيراً لزوز بفعلته التي آذت طفولة الضخم.
برأيي الرجل الضخم هو الذي مات صريع نوبة قلبية وليس زوز، وزوز احتار وخاف، واتصل بالشرطة والإسعاف، لكنه خجل أن يخبر البوليس أن الميت الضخم أخذ محظفته التي فيها راتب شهر كامل، كان زوز قد قبضه في نفس اليوم، هذا  ما قاله مالك ريماوي، متخيلاً أن هذا الحدث أقرب لعوالم زوز.
لا لا زوز، لم يدخل المرحاض ولم يسلم الضخم المحفظة، زوز غضب جدا، وصرخ في وجه الضخم، إذاً سأبول هنا، فتح السحاب وفعلها هناك أمام الضخم الذي هرب، معتقداً أن زوز رجل مجنون، دخل بعدها زوز ليكمل دلق بوله في المرحاض، هذا ما تخيله صالح مشارقة، وفق فهمه لخيال زوز، مثيراً ضحك الأصحاب بغزارة، صدقوني هذا كان سيكتبه، فهو يحب أن يدين نفسه في كتبه ويكتب عن سلوكيات غريبة منفرة وصادمة، أضاف صالح.
لم تعجبني إضافات أصحاب زوز، قررت أن اذهب انا صديقة زوز الأقرب الى جسده وروحه الى المرحاض نفسه وأقابل الضخم، وأسأله عما حدث بالضبط، استغرب الضخم من وجود بنت حلوة أمامه: 
-مراحيض النسوان هناك يا أختي، مشيراً الى جهة أخرى..
وقبل أن أسأله عما حدث مع زوز، لاحظت أنه لم يكن ضخماً، بالعكس كان نحيفاً جداً، ولا شارب له أصلاً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز

التعليقات