تأمّلات في الكون

  • الأربعاء 2018-07-11 - الساعة 09:50
بقلم: عبد الغني سلامة

لنتخيل الصورة معاً: في لحظة ما.. ليس قبلها أي زمان، ولكنها ستلد الأزمان كلها، هي قبل ذلك لا شيء، ولم تكن في أي مكان، ولكنها عمّا قليل ستملأ الآفاق.. نقطة متناهية الصغر، ولكنها ستُنجب كوناً كاملاً.. يلفها ظلام دامس، أو بياض مدهش، لا أحد يعرف، فلا وجود للألوان.. قبل ذلك لم تكن حارّة، ولا باردة، فلا يمكن قياسها.. بعد برهة ستصبح لا متناهية الحرارة، بما يفوق الوصف.. مليارات الدرجات على مقياسنا المئوي، نقطة واحدة، بكثافة لا نهائية، اختزلت الكون كله، وحبلت به لأجزاء ضئيلة من الثانية، بكل طاقته الكامنة.

هذه النقطة بمثابة الصندوق الأسود، الذي يخبئ داخله كل أسرار الكون وألغازه، والذي حتى لو عثرنا عليه؛ لن نتمكن من فتحه وكشف محتوياته.

فرغم أن "اللانهاية" مفهوم مبهم، إلا أن العلماء قدموا شرحاً لأحداث تلك اللحظات بمنتهى الدقة، وحلوا مشكلة العبور من اللانهائي إلى المحدود. 

وبما أن ظروف تلك اللحظات كانت صارمة جداً، ومجهولة إلى أبعد حد، فإن الدليل الوحيد الموجود على ما يقترحه العلماء في وصفهم لتلك اللحظات الانفجارية، هو المعادلات الرياضية فقط، والأفكار النظرية المستندة لعلوم المادة.

ففي تلك الظروف كانت قوانين الفيزياء معطلة؛ وعاجزة عن استشفاف المستقبل، ومع ذلك حصل الانفجار العظيم، وانبثقت عنه غيمة هائلة، وبعد حوالى جزء من مائة من الثانية، وهي أقدم لحظة يمكن للعلماء تخيلها، ستهبط درجة حرارتها، حتى تبلغ عشرة مليارات درجة مئوية، ومع استمرار تبريد هذا الحساء الكوني وتناقص كثافته، وفي أجزاء قليلة من الثانية الأولى ستصبح الغيمة بحجم المجموعة الشمسية، وبعد ثلاث دقائق ستتشكل النواة الأولى، حيث باتت التفاعلات النووية ممكنة، لتنجب القوى الطبيعية الأربعة بشكل متتالٍ، الجاذبية، ثم القوى النووية الشديدة، فالضعيفة، وأخيرا القوى الكهرومغناطيسية. (بول ديفنر، الدقائق الثلاث الأخيرة).

وبعد ثلاثمائة ألف سنة بَرَدَ الكونُ أكثر، ووُلد النور لأول مرة؛ وهي فترة في عمر الكون تقارب الزمن اليسير بين ولادة الطفل من رحم أمّه، وصرخته الأولى (حسن البطل)، عند تلك اللحظة كان الغاز يتألف من الهيدروجين ذي القدرة العجيبة على التطور كمادة بدائية أولى لكل ما هو قادم.

وبعد ثلاثة مليارات سنة، ظهرت النجوم الأولى داخل زوابع هائلة من غبار النجوم، تشبه الضباب الكثيف، فتشكلت المجرات، ولكن كان علينا أن ننتظر خمسة مليارات عام لنشهد ميلاد شمسنا الدافئة، ثم خمسة أخرى ليولد كوكبنا الأم.

نحن الآن على صهوة كوكب مجنون، حرارته خرافية، يدور حول نفسه بثلاثة أضعاف سرعته الحالية، والقمر أقرب إليه من منـزلته الحالية بخمسين مرة، يموج بالبراكين والزلازل، غلافه الجوي بلا حماية، وأرضه خراب، لا ماء فيه ولا هواء، ولا أثر لكائن حي، فلا شيء فيه يُغري للعيش.. سيمضي على هذه الحال ملياري عام، قبل أن تهدأ سرعته ويبرد، ويملأ قيعانه بماء المحيطات، ويكوّن حوله غلافاً من الأوكسجين والغازات، وتتهيأ له الظروف لانبثاق أول أشكال الحياة.. ثم مليارين آخرين ليسمح بأول الكائنات أن تخرج للوجود.. ثم بضع مئات من ملايين السنين ليكسوه غطاء أخضر، وأصناف شتى من الكائنات، ثم ملايين أخرى قبل أن يَنطِق أول إنسان بأول الكلمات. 

خلال هذه الملايين الكثيرة من السنين، امتلأ كوكبنا بأشكال لا حصر لها من الحياة، كانت في كل مرة تُفجع بكارثة بيئية، أو تُصدم بجرم فالت من أطراف السماء، فيحدّق كل من على الأرض مباشرة بعينيّ الفناء، فتجّرب الأرضُ نوعا آخر للحياة، وهكذا تستمر، حتى تنجح أخيراً في تكوين مشهدها الخلاب.

يُقال إن كوننا أتى من رحم كون آخر، فهل سينشأ بعد فنائه كون جديد؟ هل هو مسلسل لا نهائي يفصل بين حلقاته مليارات السنين؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن سؤالنا عن البدايات سيصبح بلا معنى، لأن البداية من هذا المنظور لم توجد أبداً، وكذلك فإن النهاية ستشبه البداية، وحينها ستضيع الأسئلة في المجهول وإلى الأبد. لذا، بدلاً من سؤال: متى نشأ الكون وكيف؟ يصبح السؤال الأهم: لماذا نشأ الكون؟ 

تبدأ قصة الكون ونشأة الحياة منذ لحظة البيغ بانغ، وتمتد من هناك بلا توقف حتى تهيؤ الظروف الملائمة للحياة على الأرض، ثم انفجارها المدهش في العصر الكامبري، وأخيراً ظهور الإنسان وامتلاكه الوعي، ونشوء التاريخ البشري، ليدرك الإنسان مكانته في الكون، لعله يجيب عن أسئلته المؤرقة: هل نحن وحدنا في هذا الفضاء؟ ولماذا نحن على هذه الأرض؟ ولماذا هي الحياة؟

بعد مليوني عام من ظهورنا لأول مرة، وبعد خمسة آلاف سنة من اختراعنا للقلم، وما بينهما من تاريخ طويل من اللاوعي، نكون أول كائن حي يكتشف نفسه كناتج أخير لهذا المسلسل الطويل من التعقيد، وأول كائن يعي نفسه وما حوله، ولديه القدرة على إعادة رسم هذا الخط الممتد الطويل والعودة به إلى الوراء، حتى بداياته الأولى.  

في العصر الحديث امتلك الإنسان ما يحتاجه من أدوات لسبر أغوار الفضاء، ولكن السماء تعكرت بفعل التلوث، والأسئلة تم تحريمها من قبل الكهنوت ورجال الدين. 

ومع هذا فإن تلسكوب "هابل" فتح لنا نافذة تطل على أعماق الكون، الذي يضم مليارات المجرات، التي تحوي مليارات النجوم.

كيف لنا أن نتصور اللاشيء الذي سبق الانفجار الكبير! وكيف نتصور حدود الكون الممتدة إلى ما لا نهاية! وماذا يقع بعدها؟ ولماذا هو بهذا الحجم الخرافي؟ علما أننا لم نكتشف منه سوى النـزر القليل. وهل نستحق هذا التكريم الإلهي؟ مع أن حياة الإنسان ما هي إلا مسلسل من التعاسة والشقاء!

الإجابة السهلة التي تمنحنا اليقين: أن الله سبحانه خلق هذا الكون، وأبدع هندسته لغاية لم ندركها بعد، وأسكننا ركناً قصياً منه في كوكب يدعى الأرض.. ولكن المهم ألا نكف عن السؤال، لأنه بداية المعرفة.

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} العنكبوت. 
 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز

التعليقات