خسارة روسيا في كأس العالم مرجحة

  • الأربعاء 2018-06-13 - الساعة 09:56
بقلم: سيباستيان بيلار

بعد أربع سنوات على الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي، يعدّ عالم الرياضة لوضع الرحال في روسيا. فهي تستقبل بين الرابع عشر من الجاري (حزيران/ يونيو) والخامس عشر من تموز (يوليو) كأس العالم في كرة القدم. والرئيس الروسي يتوسل بالرياضة أداة نفوذ: فهو يرى أن استضافة كأس العالم هي مسرح تُستعرض عليه قوة بلاده وانبعاثها من الرماد السوفياتي. وليس مكان إجراء مباريات كأس العالم ثانوياً. فهو مدار نقاش وتجاذب. وتستضيف قطر «الكأس» المقبلة في 2022، بعد ان تستضيفها روسيا اليوم، وهما بلدان لم يذع للروح الديموقراطية فيهما صيت. ولكن هل تمتنع الفرق الرياضية عن التنافس في بلد غير ديموقراطي وهل يُقصر اللعب على الديموقراطيات؟ وهذا سؤال برز أخيراً مع احتدام التوتر بين روسيا وأوروبا وتلويح بعض الدول الأوروبية بقطع العلاقات الديبلوماسية مع موسكو، إثر قضية تسميم الجاسوس الروسي السابق في المملكة المتحدة، ونسبته إلى الكرملين. والسؤال هذا ليس من بنات اليوم، بل هو يعود إلى عقود سالفة، في 1934، و1978 على وجه الخصوص. ففي 1934، استضافت إيطاليا الفاشية، على رأسها بينيتو موسولوني، مباريات كأس العالم، وكانت تنظم للمرة الثانية على وجه المعمورة. ولم تشغل المباريات هذه موسوليني، ولكن ما إن بدأت اقتنص الفرصة السانحة التي شرعتها كرة القدم أمام بلاده. وكان موسوليني حاضراً في المدرجات حيث استعرض شعبيته، وتابع المباريات كلها. وفوز بلاده بالكأس صبت في مصلحة البروباغندا الموسولينية. وفي نهائيات كأس العالم، منح موسوليني الفائزين «كوب دل دوتشي» (كأس الزعيم)، وحجمها يفوق كأس العالم. وصارت الكأس الايطالية واجهة ايطاليا ورمز تفوق الفاشية الجسماني والأخلاقي. وعلى رغم بعدها السياسي، لم تثر مباريات كأس العالم الايطالي في 1934 الجدل، ولم تحصل مقاطعة ولا دعوات اليها (المقاطعة). «ففي ذلك الوقت، كانت المباريات متواضعة، ولا تستقطب الإعلام على نحو ما هي اليوم، ولا تجذب الأضواء. ولم يكن الخلاف السياسي استفحل بعد بين الزعيم الايطالي ودول الجوار الاوروبي. وكانت الدول الاوروبية تنظر إلى موسوليني على أنه حليف محتمل في وجه هتلر. فموسوليني العام 1934 ليس هو نفسه في 1938»، يقول المؤرخ بول ديتشي، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة «فرانش كونتي»، وصاحب «تاريخ كرة القدم».


وكانت كأس العالم في 1978 مدار خلاف وجدل للمرة الأولى في تاريخ كرة القدم. ففي هذا العام، آل الى الارجنتين تنظيم المباريات التي كان وزنها يرجح أكثر فأكثر. وكانت البلاد استضافت «الكأس» هذه قبل 12 عاماً، في 1966. ولكن بين التاريخين، انقلبت الأحوال السياسية في الارجنتين رأساً على عقب. وفي آذار (مارس) 1976، أطاح انقلاب عسكري، على رأسه الجنرال فيديلا، الحكومة الأرجنتينية، وأمسك العسكر بمقاليد البلاد.

وكانت المشاركة في كأس العالم مدار نقاش في أوروبا، وفي فرنسا على وجه التحديد. فالكاتب ماريك ألتر نشر في صحيفة «لوموند» مقالة يندد فيها بجرائم الديكتاتورية الأرجنتينية، ويدعو فيها اللاعبين ومؤيديهم إلى مقاطعة الألعاب والأرجنتين. وقدرت منظمة العفو الدولية عدد الإعدامات بـ6 آلاف إعدام، وعدد السجناء بـ8 آلاف سجين، والمفقودين بـ15 ألف مفقود منذ بلوغ فيديلا الحكم... وفي فرنسا، فشت عدوى الاحتجاج وبلغ دوائر ناشطي أقصى اليسار المتطرف. وأبصرت النور «كوبا» coba، لجنة مقاطعة كأس العالم، وجمعت عريضة 150 ألف توقيع للاحتجاج على المباريات. ولكن سرعان ما رجحت كفة الرياضة، والمصالح الاقتصادية خصوصاً، على كفة الأخلاق. وانتهى الأمر بالفريق الفرنسي، شأن غيره من الفرق، إلى التوجه الى المكسيك للتنافس على «الكأس» كما لو أن شيئاً لم يكن. والتاريخ يعيد نفسه: كما حصل في إيطاليا في 1934، فازت المكسيك على أرضها. ودارت النهائيات في ملعب «إل مونومانتال» في بيونس آيريس، على مقربة من الكلية البحرية حيث يُعذب معارضو النظام. وسلّم فيديلا الكأس للفريق الفائز. والحق يقال لم تذهب الاحتجاجات على تنظيم كأس العالم في أرجنتين فيديلا، ولم يسع حكامها إلى أن يكللوا ببريق الفوز على نحو ما حصل في إيطاليا موسوليني في 1934. ولم يفلح فيديلا في إضفاء مشروعية على حكمه جراء استضافة المباريات. «فكأس العالم سلطت الضوء على جرائم النظام، فتخبط نظام فيديلا وتداعى في 1983. وكرة القدم هي مرآة قد تظهر فيها صورة قبح النظام أو صورة تكرمه»، يقول ديتشي. ولكن هل ستتجرع روسيا (اليوم) وقطر (بعد أربع سنوات) الكأس المرة هذه؟ التاريخ يحمل جواباً واحداً: لن تقع معجزة تحمل الفوز في كأس العالم إلى روسيا وقطر على طبق من ذهب. فالخسارة مرجحة على أرضهما.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز

التعليقات