«كليوباترا والفلاح» لديلاكروا: أمير الرومانسية بين الفن والأدب

  • الأربعاء 2018-06-13 - الساعة 09:55
بقلم: ابراهيم العريس

 

ليس ثمة ما هو أسهل على زائر المعرض الضخم الذي يقام في أيامنا هذه في قاعة نابوليون بمتحف اللوفر الباريسي ممتداً إلى عدد من القاعات الأخرى، من أن يلاحظ اهتماماً كبيراً من جانب منظمي المعرض، بجانب لم يلقَ بعد اهتماماً كافياً من جانب الباحثين حتى وإن أجمعوا على أهميته وفرادته. فالحقيقة أن المعرض الباريسي الحالي، الذي يقام بعد أكثر من نصف قرن على المعرض الكبير الجامع الذي أقيم في المكان نفسه لأعمال ديلاكروا، يعرض عدداً غير متوقع من أعمال للفنان تكشف عمق علاقته بالأدب. بل أكثر تحديداً: كون الأدب مصدراً أولاً من مصادر إلهامه يفوق في ذلك استلهاماته الدينية والرومانسية والشرقية التي غالباً ما بدت ذات أفضلية لدى الباحثين. وقد يكون في مقدورنا هنا، على أي حال، أن نربط بين الجانب الرومانسي في فن ديلاكروا والجانب الأدبي، بالنظر إلى أن عدداً كبيراً من رسومه المستوحاة من أعمال أدبية- وكما يكشف لنا المعرض الحالي والمستمر حتى الثالث والعشرين من شهر تموز (يوليو) المقبل-، لا تخلو من نفحات رومانسية وأحياناً استشراقية. فكيف لا تكون كذلك أعمال مستقاة من مشاهد تنتمي إلى أدب شكسبير أو غوته أو تاسّو أو اللورد بايرون، ودانتي، بل حتى فكتور هوغو ودي موسّيه، على رغم عدم إعجاب الرسام بآداب معاصريه؟

> الحقيقة أننا إذا كان في وسعنا أن نُرجع بدايات الاهتمام الجدي لفن ديلاكروا بالأدب الكبير، إلى تلك الزيارة الشهيرة التي قام بها إلى لندن وكان بعد في مقتبل شبابه وبداياته الفنية، فإن في وسعنا أن نعتبر تلك الزيارة المناسبة التي أتاحت له مشاهدة العديد من المسرحيات التي كانت تعتبر على أي حال أعمالاً أدبية مميزة. يومها وبين مشاهدته عرضين لأعمال شكسبيرية على التوالي، قُيّض لديلاكروا أن يكتشف مسرحية «فاوست» لغوته مقدّمة على خشبة إنكليزية. على الفور أحس الفنان حينها بأن الشخصية الأساس في ذلك العمل الأدبي/ المسرحي الاستثنائي ليس فاوست نفسه، بل مفيستوفليس ذلك الشيطان الرومانسي الذي بدا من فوره مثيراً لاهتمام فنان كانت الرومانسية تداعب خياله ولا يتوقف عن إعلان أنه في الأصل إنما كان راغباً في أن يكون أديباً ليرسم ذلك النوع من الشخصيات الشيطانية الغريبة الأطوار. ولعل الغريب في الأمر هنا هو أن ديلاكروا وحتى قبل عودته إلى باريس جاءه اتصال من شارل موتّ المعروف حينها كناشر للوحات التي تمثل أعمالاً أدبية ومسرحية. وكان الاتصال يتعلق برسم ديلاكروا ست عشرة لوحة ليتوغرافية تمثل مشاهد أساسية من «فاوست». ووافق الرسام بسرعة.

> صحيح أن تلك لم تكن المرة الأولى التي كان ديلاكروا يُقدم فيها على مثل ذلك العمل، فهو منذ زمن كان ينجز أعمالاً مستقاة من مواضيع أدبية. لكن المسألة تحولت هذه المرة من شأن عارض إلى إنتاج ممنهج. ونعرف أن تلك المنهجة قد تلاقت مع ما كان معروفاً عن ديلاكروا من تفضيله صحبة الأدباء على صحبة الفنانين- وهو أمر يتحدث عنه بوفرة في ألوف الصفحات التي خطّها على شكل يوميات أو رسائل مثبتاً فيها ضلوعه في عالم اللغة والأدب، كما أن الشاعر بودلير الذي كان من أبرز أنصار ديلاكروا في الحياة الاجتماعية والثقافية في باريس التي كاد الرسام يكون ملكاً غير متوج عليه، كثيراً ما تحدث عن هذا الأمر كما فعل سيزان حين قال عن ديلاكروا إنه ربما يكون فناناً رومانسياً، لكنه تجرّع الكثير من شكسبير ودانتي، كما تصفّح مسرحية فاوست في شكل مبالغ فيه، فيما قال بودلير: «إن ديلاكروا رسام متأدّب أكثر مما هو أي شيء آخر».


> إذا كنا هنا قد ركزنا بعض الشيء على علاقة رسوم ديلاكروا بـ «فاوست» غوته، فما هذا إلا لرغبتنا في العودة إلى بدايات ما. لكن الإنصاف يقتضي منا أن نتوقف أكثر عند العلاقة الثرية بين فن ديلاكروا وأدب شكسبير. فهي العلاقة الأكثر وضوحاً بتجاوزها التعبير عن عمل واحد وفي شكل ظرفي، ينتمي إلى فنان معيّن. ذلك أن ديلاكروا كرّس العديد من لوحاته ورسومه لأعمال شكسبيرية. وحسبنا أن نذكر في هذا المجال أن مشهد شكسبير وهوراشيو في المقبرة وحده، قد ظهر في أكثر من دزينة لوحات لديلاكروا منها نصفها بالألوان الزيتية. ونعرف في هذا السياق، أن ديلاكروا قد استقى عدداً مماثلاً من اللوحات من مشاهد أخرى من «هاملت» لكنه لم يكتف بذلك، بل رسم انطلاقاً من «عطيل» و «روميو وجولييت» «حلم ليلة صيف» وأعمال شكسبيرية أخرى، بعض أجمل أعماله وأكثرها بقاء وشهرة. ويقينا أنه أبدا ما حاول أن تكون لوحاته مجرّد نقل حرفي للمشهد، بل دائماً ما كان يحاول أن يكون فنه نوعاً من إعادة إحياء المشهد، كما فعل مثلاً بالنسبة إلى اللوحات التي اقتبسها عن قصيدة اللورد بايرون عن «دون جوان» أو تلك التي صوّر فيها عذابات الشاعر تاسّو أو زيارة دانتي برفقة فرجيل إلى الجحيم...

> ومع هذا، من بين الأعمال الأساسية التي كرّسها ديلاكروا للمسرح الشكسبيري، يمكننا أن نتوقف أمام لوحته المعنونة «كليوباترا أو كليوباترا والفلاح» (عرضها أكثر من 122 سم وارتفاعها نحو 98،5 سم وتوجد حالياً معلقة في جامعة نورث كارولاينا الأميركية). فهذه اللوحة التي تعتبر من بين عدة أعمال كرسها الرسام لمسرحية «أنطونيو وكليوباترا» الشكسبيرية، قد لا تكون من أقوى أعماله وأشهرها، لكن أهميتها تكمن في أن الرسام مزج فيها بين العناصر الأربعة التي اعتادت أن تكون أساسية في إبداعه: الرومانسية الاستشراقية والتاريخ والأدب والبورتريه- على قلة البورتريهات في أعماله-. بل إنه هنا حاول، كما حاله في عدد غير محدود من أعماله، أن يحول مشهداً ثانوياً في المسرحية، إلى نوع من المقارنة بين الجمال المطلق والقبح المنفّر، معبراً عن ذلك المزيج من الفظاعة والسمو الذي كان يرى أنه ميزة أساسية من ميزات أسلوب شكسبير. والحقيقة أن هذه اللوحة التي إذ يرى كثر أنها تنتمي إلى مسرحية شكسبير، وتشير كل الدلائل بما فيها ملاحظات لديلاكروا نفسه إلى ذلك بكل وضوح، لم يخل الأمر من دارسين أكدوا أنها إنما تصوّر بالأحرى مشهداً يوجد لدى نص لبلوتارك حول ملكة الإسكندرية، هو المشهد الذي تتأمل فيه الملكة الحسناء رمز الموت المقبل إليها وقد حمله الفلاح الفصيح كنوع من الإنذار الموجّه إليها. ولعل الغريب في أمر هذه اللوحة التي رسمها ديلاكروا في العام 1838 هو أنها رُسمت في العام نفسه الذي أنجز فيه الرسام لوحة «ميديا» التي تحمل نظرة مشابهة لنظرة الملكة المصرية الحسناء، هي على أي حال، نفس النظرة التي حمّلها ديلاكروا لتاسّو في اللوحة التي رسمها في العام التالي للشاعر اللاتيني متأثراً بحياته كما دوّنها اللورد بايرون... إنها النظرة الساهمة المتأملة التي لا تحمل من الخوف إزاء المصير القاتم المحتم بقدر ما تحمل من نزعة رواقية هادئة تقترب من حدود الإذعان. ولعل في مقدورنا هنا أن نذكر لوحة شكسبيرية أخرى من لوحات ديلاكروا رسمها هذا الأخير بعد ذلك بعشر سنوات وتمثل دزدمونة وعطيل. حيث مرة أخرى هنا لدينا ذلك التناقض بين القبح والجمال الذي يقيمه الرسام- عازياً إياه إلى جوهر المعنى الشكسبيري- حيث يتنافر جمال وطهارة البراءة الماثلة عميقاً على سمات دزدمونة مع القبح الخليع والظالم الذي تحمله سمات عطيل بعدما شوهتها غيرته الحمقاء...

> واضح أن الرسام الفرنسي الكبير أوجين ديلاكروا (1798- 1863)، في هذا الاهتمام الذي حمله تجاه الأدب، المسرحي في شكل خاص ولكن الأدب بالمعنى العام للكلمة، إنما كان يتماشى مع هوى شبابه وصباه الذي كان يطالبه بأن يكون كاتباً بدلاً من أن يكون رساماً. وهو بانكبابه، في عدد كبير جداً من لوحاته، على إعادة إحياء مشاهد من أعمال أدبية، حاول دائماً أن يعبر عن مزاجه الأدبي الذي يكاد يجعل منه «أديب الرسامين ورسّام الأدباء» في شكل لا يضاهيه فيه أي من الرسامين الآخرين المعاصرين له. ولا بد من التذكير هنا، في هذا السياق أخيراً أن ديلاكروا، حتى في لوحاته التي تُصنَّف «تاريخية» إنما لجأ إلى النصوص الأدبية- اللورد بايرون، شكسبير، بلوتارك....- لتحقيقها، أكثر كثيراً من لجوئه إلى مجريات التاريخ نفسه أو مدوناته.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز

التعليقات